بين هدوء الساحل التهامي في “جازان” وزرقة بحرها، وُلدت رؤية بصرية فريدة نضجت لتصنع لغته الفنية الخاصة. إنه الفنان التشكيلي القدير خليل حسن خليل، المولود عام 1377هـ (1958م)، الذي شكّل بعطائه المبكر صوتاً فنياً لافتاً في الفن السعودي المعاصر، محولاً مفردات الهوية المحلية إلى لوحات تُقرأ بأفق عالمي.
بدأت حكاية هذا التميز البصري من تفاصيل طفولته ودراسته الأولى في جازان، قبل أن يخوض الانعطافة الأبرز في مسيرته بالتحاقه بمعهد التربية الفنية بالرياض عام 1393هـ (1973م)، والذي كان حينها بمثابة الرحم الإبداعي الذي تشكّلت فيه رؤى كبار فناني المملكة. ولم يكد ينهي دراسته وتدريبه الأكاديمي حتى عاد مجدداً إلى مسقط رأسه ليؤسس مرسمه الخاص عام 1397هـ (1977م)، واضعاً بذلك حجر الأساس لحراك تشكيلي نابض ألهم أجيالاً متعاقبة في جنوب المملكة.
ولم يتأخر الاعتراف بموهبته الاستثنائية؛ إذ سرعان ما فرضت فرشاته حضورها القوي في المشهد الفني، مكللة بمسيرة حافلة بالجوائز التي بدأت بحصوله على الجائزة الأولى بمعرض الفن السعودي المعاصر بالرياض عام 1399هـ، تلاها نيله الميدالية الذهبية من نادي الطائف الأدبي، واحتكاره التام للجائزة الأولى في معرض المقتنيات بالرياض لأربع دورات متتالية امتدت بين عامي 1981م و1984م. ولم يقتصر هذا الصدى اللامع على الداخل السعودي، بل امتد إقليمياً ليحصد جائزة الشراع الذهبي في المعرض السابع للفنانين التشكيليين العرب بالكويت، وجائزة السعفة الذهبية في مهرجان الفن التشكيلي الأول لدول مجلس التعاون الخليجي بالرياض عام 1989م.
ومن فضاء المحلية والخليجية، انطلق خليل حسن خليل سفيراً للألوان السعودية المحملة بعبق البيئة والتراث، ليجوب بعرض لوحاته كبرى العواصم والمنصات الفنية حول العالم. فقد حلّقت ريشته في سماء باريس خلال الأسبوع الثقافي لدول الخليج، وعُرضت في نيويورك ضمن معرض الطاقة الدولي، وشاركت في معرض الفنانين العالميين المعاصرين بموناكو لعامين متتاليين، بالإضافة إلى تمثيله للمملكة في تظاهرات تشكيلية كبرى بالهند، وألمانيا، والأردن، وبغداد، والمغرب، والسويد، والمكسيك، وبينالي القاهرة الدولي.
ولأن الفن لديه رؤية تتجاوز حدود اللوحة، فقد حرص على توثيق أفكاره وفلسفته الخاصة؛ فأصدر له نادي جازان الأدبي عام 1986م كتاباً يحمل عنوان “أحلامي” تزامناً مع معرضه الشخصي الأول بجازان. وظل الفنان ركيزة أساسية في كافة الفعاليات الثقافية لبيئته، بدءاً من مشاركته في افتتاح قرية المفتاحة التشكيلية بأبها عام 1989م، وصولاً إلى حضور إبداعه في افتتاح جمعية الثقافة والفنون بجازان عام 2002م.
يمثل خليل حسن خليل بمشواره الممتد مدرسة بصرية قائمة بذاتها وأسلوباً فنياً فريداً؛ فنانٌ شق طريقه بالبحث الدائم والأصالة، وترجم سحر طبيعة الجنوب وتفاصيلها الدافئة إلى لغة عالمية واثقة، ليظل اسمه علامة فارقة في ذاكرة الفن التشكيلي السعودي.




















