بين النخيل العتيق وذاكرة الأحساء الممتدة في عمق التاريخ، ولدت تجربة بصرية استثنائية صاغت حواراً شاملاً بين أصالة التراث العربي ومتطلبات الصياغة الفنية المعاصرة. إنه راوي الفن الفنان والخطاط والمجسم القدير محمد بن عبدالرحمن بوحميدة، الحاصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة الأقصر، والمستشار والمدرب والمقيم الفني المعتمد الذي يمتلك مسيرة حافلة تمتد لأكثر من أربعين عاماً من الممارسة والاشتغال الفني الدؤوب.
بدأت حكاية هذه القامة الإبداعية من تفاصيل البيئة الأحسائية الغنية وعمارتها الشعبية؛ حيث تشكلت ذاكرته البصرية من مفردات النخيل، والأسواق القديمة، والتفاصيل اليومية للمكان، ليجعل من مسقط رأسه ملهماً أول لرحلة حكائية تشمل الفن التشكيلي، والخط العربي، والنحت، والتصوير الفوتوغرافي. ولم يكتفِ بوحميدة بالخبرة الميدانية العريضة، بل حرص على تعميقها أفقياً وأكاديمياً؛ ليمزج بين التوثيق الوجداني للتراث والبحث التجريبي المعاصر، مؤسساً اتجاهاً فكرياً وشكلياً خاصاً تجسد في إطلاقه لـ “المدرسة الروائية” في الفن التشكيلي، والتي ينطلق فيها كـ راوي الفن ليسترشد بالعلاقة بين الإنسان والذاكرة والمكان، ويروي قصص الهوية والتاريخ عبر تتابع السطوح والألوان.
ولم يقف شغفه عند حدود اللوحة والفرشاة، بل فرضت أدواته التشكيلية حضورها القوي في أروقة الخط العربي وفنون الحرف، حيث يحمل عضوية مركز عزف الحروف بجدة وشارك إلى جانب الخطاط القدير سعود خان في معارض داخلية وخارجية، معامِلاً الحرف العربي كعنصر بصري وهندسي يحكي حكاية الكلمة والتكوين. كما امتدت عدسته الفوتوغرافية لتسجل ذاكرة المنطقة الشرقية بصفته المصور الرسمي لغرفة الأحساء، موثقاً لقطات رسمية وشخصية لعدد من الأمراء والوزراء عبر أكثر من 100 عدد لمجلة الأحساء، فضلاً عن مشاركته البارزة في معرض ألوان السعودية بمدينة الرياض عام 2017م.
وشهدت مسيرته المديدة تمثيلاً راقياً للمشهد السعودي في العديد من المنصات والمعارض الكبرى داخل المملكة وخارجها، من بينها مشاركاته المتعددة في مركز نايلا للفنون بالرياض، وتنقله بعرض أعماله في عدة دول عربية وآسيوية، إلى جانب تشرفه برسم لوحات وبورتريهات لشخصيات بارزة من الملوك والأمراء ورجال الأعمال. وتوازى هذا الإثراء مع دور قيادي ومؤسسي نابض؛ إذ يشغل منصب مدير فرع المنطقة الشرقية لمركز “فن وفنانين” للفن التشكيلي، وهو المؤسس والرئيس لـ “نادي الراوي للفنون الثقافي”، المنصة التي نذرها لدعم المواهب وصنع الفعاليات الفنية.
يمثل راوي الفن محمد بن عبدالرحمن بوحميدة بمشروعه الممتد مدرسة إبداعية متكاملة ومستمرة في العطاء؛ فنانٌ يستعد اليوم لإطلاق مشروع عالمي نوعي في الخط العربي يستهدف تحطيم رقم قياسي ودخول موسوعة غينيس، ليظل اسمه علامة فارقة في سجل الفن السعودي المعاصر، ورائداً حقيقياً يروي بفرشاته وألوانه قصة وطن وذاكرة لا تموت.












