في المشهد التشكيلي السعودي تظهر تجارب تتقدّم بهدوء وتترك أثرها عبر الزمن دون ضجيج من بين هذه التجارب يأتي حضور الفنان زهير مليباري الذي نسج مساره عبر البحث المستمر، وتعدد الأساليب والانفتاح على كل ما يمكن أن يضيف بعدًا جديدًا للصورة تجربته تشبه رحلة طويلة تتقاطع فيها المعرفة مع الحس البصري ويظهر فيها الفنان كمن يختبر حدود الخامة واللون ويعيد تشكيل علاقته باللوحة في كل مرحلة.
ولد مليباري في مكة المكرمة وتخرّج بمرحلة الماجستير في التربية الفنية من جامعة أم القرى عام 1993 قبل أن يبدأ مسارًا واسعًا في التعليم والفنون ترك خلاله حضورًا واضحًا في ذاكرة المدينة وفي أجيال من الطلاب والفنانين
تجربته لا تُقرأ من خلال أسلوب واحد بل من خلال انتقالات متتابعة تكشف عن رغبة في الفهم أكثر من الرغبة في الإنجاز بدأ بالسريالية ثم مرّ بالتكعيبية والواقعية والتأثيرية قبل أن يدخل عالم الحروفيات، فالريليف، فالجداريات، وصولًا إلى أسلوبه الخاص الذي استقر عليه منذ عام 2008 كل مرحلة كانت محاولة لإعادة النظر في العلاقة بين الفنان وموضوعه وبين الصورة وطبقاتها الداخلية.
ومن المحطات اللافتة في تجربته دخوله عالم الـ Op Art ذلك الاتجاه الذي يعتمد على الخداع البصري وبناء الإيقاعات الهندسية الدقيقة في هذه المرحلة تحوّلت اللوحة لديه إلى مساحة تتحرك فيها العين قبل أن تستقر وتداخلت الخطوط مع الظلال لتصنع عمقًا بصريًا لا يعتمد على المنظور التقليدي بل على تفاعل المشاهد مع العمل نفسه هذه التجربة كشفت عن حسّ هندسي واضح وعن قدرة على تحويل السطح إلى مجال نابض بالحركة.
إلى جانب عمله الفني كان مليباري حاضرًا في التعليم والتطوير مقدّمًا أساليب جديدة في تدريس الفنون، مثل الطيات الورقية (الأورقامي)، واستخدام خامات البيئة المدرسية، وابتكار أسلوب الريليف بالرمل كما شارك في معارض محلية ودولية منذ عام 1978 وظهر اسمه في فعاليات كبرى داخل المملكة وخارجها ما جعل تجربته جزءًا من المشهد التشكيلي السعودي في لحظات تحوّله ونموّه.
اليوم وبعد عقود من العمل، تبدو تجربة زهير مليباري كمسار يتسع باستمرار ليست سلسلة من الأساليب المتعاقبة فقط وإنما محاولة مستمرة لفهم ما يمكن أن يقدّمه الفن حين يتحوّل إلى بحث طويل وحين يصبح الفنان جزءًا من حركة تتغير مع الزمن.
إنه نموذج للفنان الذي يواصل اكتشافه الخاص ويترك في كل مرحلة أثرًا يشبه بصمة لا تتكرر.