الفنان عبود السلمان – سوريا

في عمق التجربة الفنية لعبود السلمان تتجلى قدرة الفن على تحويل الذاكرة إلى خطاب بصري، يحاور الواقع بكل تناقضاته. يعتمد الفنان في أعماله على مفردات بصرية واضحة وقوية، تنبع من رؤية تشكيلية عميقة للواقع، لا تكتفي بسطحية الأشكال، بل تغوص في أعماقها العاطفية والاجتماعية. يقدم السلمان واقعاً مصاغاً بمفاهيم جوانية وعرفانية، حيث تتحول الحياة اليومية إلى تعبيرات فنية تلامس حدود التعبيرية، معتمدةً على نوستالجيا المكان وارتباطه العاطفي بجذوره الفراتية.

ينقسم عالم السلمان الفني إلى محورين رئيسيين: عالم الذاكرة بكل ما يحمله من حكايات شعبية وأساطير مكانية، وعالم الحاضر والاغتراب بكل ما يفرضه من أسئلة وجودية. هذا الجدل بين الماضي والحاضر يمنح أعماله بعداً إنسانياً يتجاوز المحلية ليصبح خطاباً عالمياً. فمن خلال ترحاله واغترابه، يعيد الفنان صياغة مفردات بيئته الأصلية، محولاً إياها إلى رموز تشكيلية تحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة.

يعتمد السلمان على مفردات بصرية محلية، لكنها تنبع من وعي عميق بتطور مفهوم الصورة في الفن المعاصر. فهو لا ينفصل عن التطورات الفنية العالمية، لكنه يوظفها لمواجهة اغتراب الإنسان الحديث، عبر إعادة بناء المعنى الجمالي والتأملي. الفن بالنسبة له ليس مجرد جماليات، بل فعل تواصلي واجتماعي، يعيد إنتاج الحياة عبر الصورة، مع التركيز على القيمة المعرفية والثقافية، إلى جانب الجمالية

لا يمكن فصل تجربة السلمان عن جذوره الميزوبوتامية، التي شكلت أقدم فنون التصوير في التاريخ. فمن منطقته، حيث مواقع مثل دورا أوروبوس وصالحية الفرات، انبثقت تقنيات فنية أصبحت جزءاً من التراث الإنساني. يستثمر الفنان هذا الإرث، ليس كتكرار للماضي، بل كتنظيم متجدد للخيال، حيث يعيد تفسير التراث عبر رؤية معاصرة، مؤكداً على الامتداد الإبداعي لأجيال المنطقة.

تظهر أعمال السلمان البيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأ فيها، لكنها أيضاً تعكس تأثره بتنقله بين الشرق والغرب، ومعرفته الواسعة بتاريخ الفن ونقده. لا يهتم الفنان بالمظهر الخارجي للوحة بقدر ما يهتم بالمعاني المختبئة خلفها، حيث يصبح جسد العمل الفني مجرد حامل لروح الصورة وأسرارها.

يبقى عبود السلمان فناناً استثنائياً، يحول الذاكرة إلى فن، والاغتراب إلى حوار إنساني. أعماله ليست مجرد لوحات، بل شهادات بصريّة على صراع الهوية والانتماء في عالم متغير. من جذور الفرات إلى فضاءات الاغتراب، يظل فنّه جسراً بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي، مؤكداً أن الفن الحقيقي هو ذلك القادر على تحويل التراب إلى ذهب، والذكرى إلى خلود.

img38
August 13, 2025
img37
August 13, 2025
img36
August 13, 2025
img35
August 13, 2025
img34
August 13, 2025
images
August 13, 2025
img33
August 13, 2025
500-ططططط1642104831
August 13, 2025
500-ططط1642104831
August 13, 2025
error: Content is protected !!