في قلب السويداء، حيث تختزل شجرة المعرفة أسرار الجمال والأصالة، ينحت الفنان شادي أبو حلا مسيرته الفنية بصمت العظماء، بعيداً عن ضجيج الإعلام والاستعراض. هذا الفنان الخجول بطبعه، الرصين في سلوكه، المتميز بأخلاقه الرفيعة، يمثل نموذجاً فريداً في المشهد التشكيلي السوري المعاصر، وخاصة في مجال فن الحفر الذي أبدع فيه وأضاف إليه لمسات خاصة.
ينتمي أبو حلا إلى جيل طلائع التقدمية الذين ساهموا في تشكيل ملامح المحترف التشكيلي السوري، حيث يسير على خطى عمالقة هذا الفن مثل غياث الأخرس وسعيد دلول وليلى مريود وعبد السلام شعيرة وعلي رزوق وعبد الكريم فرج وعلي سليم الخالد. رغم اعتزاله النسبي في جنوب الخارطة الفنية السورية، إلا أن أعماله تحمل عمقاً فلسفياً وجمالياً ينبع من وعي إنسان المنطقة وحضارتها العريقة.
يعد فن الغرافيك أو الحفر أحد الفنون التشكيلية الأساسية التي تأسست في سوريا عام 1960 مع إنشاء قسم الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة بدمشق. وقد برع أبو حلا في مختلف تقنيات هذا الفن، من الطباعة على الألواح الخشبية (الموزنيت) إلى الحفر على المعدن والنحاس والزجاج، مروراً بتقنيات الطباعة المسامية والحريرية والحجرية. تمثل أعماله استمراراً لتقليد فني عريق يعود إلى الحضارات الفينيقية والسومرية والفرعونية، مع إضفاء لمسة معاصرة تتناسب مع روح العصر.
يتميز أسلوب أبو حلا الفني بالجمع بين التشخيص والتجريد، حيث يعيد تشكيل الواقع عبر رؤية فنية خاصة. تهيمن موضوعات الطفولة والمرأة على معظم أعماله، معبراً عنها عبر خطوط حادة ومساحات صارمة تعكس قسوة الواقع أحياناً. يعتمد في عمله على الأدوات اليدوية التقليدية، حيث يتعامل مع ألواح الخشب وأدوات الحفر كما يتعامل الرسام مع فرشاته، محولاً إياها إلى وسيلة للتعبير عن قلقه الوجودي وانفعالاته الداخلية.
تتجلى عبقرية أبو حلا في قدرته على تحويل التقنيات الفنية إلى لغة بصرية تعبر عن هموم الإنسان المعاصر. تأتي مطبوعاته نتيجة مخاض فكري وفني طويل، حيث يختزل الخط الغرافيكي ويحرره في نفس الوقت، مكوناً عوالم رمزية غنية بالدلالات. يعتبر الفنان أن عملية الإبداع هذه هي بمثابة متعة روحية، تشبه فرح العاشق عند اكتمال لوحته.
يظل شادي أبو حلا أحد أهم الأصوات الصامتة في فن الحفر السوري المعاصر، الذي جمع بين الأصالة والحداثة، بين الحرفية التقليدية والرؤية المعاصرة. تمثل أعماله امتداداً لتاريخ عريق من الإبداع الفني، مع إضافة بصمة شخصية فريدة. رغم اعتزاله النسبي، إلا أن إنتاجه الفني يشكل إضافة نوعية للمشهد التشكيلي السوري مؤكداً أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ليعلن عن نفسه، بل تكفيه قوة تعبيره وجماليته ليبقى خالداً في ذاكرة التاريخ الفني.










