في فضاء الفن التشكيلي حيث تلتقي الثقافات وتتناغم الهويات، يبرز اسم الفنان السوري مروان قصاب باشي (1934-2016) كواحد من أهم الفنانين العرب الذين نجحوا في خلق حوار فني عميق بين التراث الشرقي والحداثة الغربية. وُلد الفنان في دمشق عام 1934، حيث درس الأدب العربي في جامعة دمشق قبل أن ينتقل إلى برلين في أواخر الخمسينيات ليلتحق بجامعة الفنون الجميلة هناك.
تخرّج قصاب باشي عام 1963 من قسم التصوير، واستمر بالعمل كمحاضر في نفس الجامعة حتى عام 2000، مما أتاح له فرصة التأثير في أجيال من الفنانين الألمان. تميزت تجربته الفنية بجمعها بين عالمين: التعبيرية الألمانية وتيار "المتوحشون الجدد" من جهة، والهوية السورية والاهتمام بالقضايا العربية وحقوق الإنسان من جهة أخرى
طور الفنان أسلوباً مميزاً يعتمد على الوجوه الإنسانية التي تتحول إلى مشاهد متموجة، وهي ثيمة رئيسية تكررت في معظم أعماله. اعتمد في تنفيذ لوحاته على تقنية خاصة تعتمد طبقات متتابعة من الألوان، مستخدماً أربعة أو خمسة تدرجات لونية فقط لاستحضار أنسجة الجلد البشري وإعطاء عمق روحي للوجوه.
كان قصاب باشي يعتبر الوجه البشري بمثابة خريطة تضاريس، حيث عبّر في مناسبات عديدة عن شعوره بأنه "ينقب" في هذه المساحات البشرية، ووصف عمله بأنه "رسم للأرواح". جاءت أعماله جزءاً من التيار الوطني السوري والفن البصري للقومية العربية، لكنها في الوقت نفسه حملت أبعاداً إنسانية عالمية.
كان مروان قصاب باشي نموذجاً للفنان العالمي الذي استطاع ببراعة أن يحوّل الوجوه إلى مساحات روحية، واللون إلى لغة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية. كانت تجربته الفنية جسراً بين الشرق والغرب، وبين التراث والحداثة، حيث مزج بحرفية بين التقنيات الغربية والروح الشرقية الصوفية. تبقى أعماله شاهداً على قدرة الفن على تجسيد الهوية دون الوقوع في المحلية الضيقة، وعلى التعبير عن الهم الإنساني بلغة بصرية تلامس الروح قبل العين.













