رحيل الجسد وبقاء الروح
في زحمة الحياة وصخبها يبرز الفن كواحة صفاء وكأنه همسة تُذكرنا بأن الجمال لا يزال موجودًا بيننا. والفنان الراحل سمير معوض- رحمه الله - كان أحد أولئك الذين وهبونا هذه الهمسات البصرية عبر لوحات تحمل في طياتها صدق الروح ودفء التأمل.
لم يكن سمير معوض فنانًا عابرًا بل كان شاهدًا على التفاصيل الصغيرة التي قد لا نلتفت إليها في يومياتنا ظلٌ يتهادى على جدار, ضوء شمسٍ يتسلل بين الأغصان، قاربٌ وحيدٌ يعانق الأمواج. في أعماله، لم تكن الألوان تُصرخ بل كانت تحاور العين والقلب بهدوء كصديق قديم يروي حكايات الماضي بحنين صامت.
ما يميّز لوحات المرحوم سمير معوض هو غياب التكلّف فهو لم يرسم ليفوز بجوائز أو ليُسمع صوته عاليًا، بل رسم ليشاركنا لحظات من السكينة. كان يرسم الطبيعة والقرى والبحر كما يراهم قلبٌ يحب، لا عينٌ تبحث عن الإبهار في أعماله، تشعر أن الفرشاة كانت امتدادًا لروحه الهادئة، التي رأت العالم بمنظور الحب لا المنافسة.
"الحياة برغم كل ما فيها، تستحق أن تُرى بجمالها."
هذه العبارة قد تكون خيطًا ناظمًا لأعماله. ففي كل لوحة، كان يختزل فلسفته البسيطة: الجمال موجود في التفاصيل، والسعادة تكمن في التأمل.
لم تكن لوحات الفنان الراحل مجرد مناظر طبيعية أو مشاهد يومية، بل كانت سيرة بصرية لمشاعر إنسانية جامعة الحنين إلى زمن أبطأ، الشوق إلى الأماكن البسيطة، والسلام الداخلي الذي نبحث عنه جميعًا. بكلماته اللونية، كان سمير معوض يكتب قصصًا بدون حروف، فتصبح الأعمده، الأشجار، والطرقات الضيقة في لوحاته شخصيات تحكي عنا وعنه في آنٍ واحد.
رحل بجسده.. وبقيت لوحاته
اليوم رغم رحيله المبكر إلا أن أعماله الفنية تُذكّرنا بأن الفنان الحقيقي لا يموت فكل لوحة تركها خلفه هي نافذة نطل منها على روحه ونرى فيها شيئًا من أنفسنا. قد نختلف في تفسيرنا للوحة ما لكننا نتفق على شيء واحد: هذه اللوحات لم تُرسم باليد فقط، بل رُسمت بالقلب
غاب عنا جسديًا، لكنه بقي في الألوان التي مزجها، في الضوء الذي رسمه، وفي الصمت الذي حوّله إلى فن. رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما تركه من جمالٍ ذكرى خالدة، ودعوةً دائمةٍ لأن ننظر إلى الحياة بعينٍ أكثر حبًا.
"يا أبا أحمد، غادرتنا جسدًا، لكنك تركت نوافذك مفتوحة.. فكل من وقف أمام لوحاتك، وجد نفسه فيها."
#أحمد معوض







