سيكولوجية الفن: حين يتحوّل الجمال إلى علم والعاطفة إلى معادلة
هناك كتبٌ تُقرأ وكأنها رحلة فكرية، تبدأ من العين والأذن، وتمر بالقلب، ثم تستقر في أعماق العقل. كتاب ليف فيغوتسكي "سيكولوجية الفن" (Psychology of Art) واحد من هذه الرحلات النادرة، لأنه لا يكتفي بوصف الفن أو الاحتفاء به، بل يحلّل جوهره، ويفكك آلياته النفسية، ليكشف كيف يصبح العمل الفني أداة لتشكيل انفعالاتنا وإعادة بنائها.
كتب فيغوتسكي هذا العمل عام 1925 وهو في التاسعة والعشرين من عمره، كأطروحة أكاديمية طموحة، لكنه ظل حبيس المخطوطات حتى بعد وفاته، ليظهر لأول مرة بالروسية عام 1965، ثم بالإنجليزية عام 1971. ومنذ ذلك الحين، أصبح نصاً تأسيسياً في علم النفس الجمالي وعلم النفس الثقافي.
المؤلف الذي مزج الثقافة بالعلم: ليف سيميونوفيتش فيغوتسكي (1896–1934) وُلد في مدينة أورشا في بيلاروسيا (آنذاك جزء من الإمبراطورية الروسية)، ونشأ في أسرة يهودية مثقفة. درس الأدب والفلسفة وعلم النفس، وأتقن العبرية والروسية والفرنسية والألمانية، وكان قارئاً نهماً للأدب العالمي.
فيغوتسكي لم يكن باحثاً تقليدياً؛ كان يؤمن أن العقل البشري لا ينمو في فراغ، بل في سياق اجتماعي وثقافي، وأن اللغة والفن والتعليم هي أدوات تشكّل الفكر. مؤسس نظرية النمو الثقافي–الاجتماعي، وقد شبّهه بعض تلامذته بـ"أينشتاين علم النفس" لقدرته على إعادة صياغة المسلّمات. ورغم أن مرض السل أنهى حياته في سن السابعة والثلاثين، إلا أن ما تركه من مؤلفات ما زال يؤثر في علم النفس والتربية والفلسفة حتى اليوم.
الفن في نظر فيغوتسكي: مختبر للعاطفة فيغوتسكي لا يرى الفن كترفيه أو متعة جمالية فقط، بل كأداة ذهنية–انفعالية. بالنسبة له، العمل الفني هو "بنية" تنظم الانفعال، تضبطه، وتعيد تشكيله في تجربة جديدة، وهو بناء الشخصية والفردانية النفسية.
يكتب في الفصل الأول: "الفن ليس مرآة تعكس الحياة، بل مطرقة تشكّلها." ويضيف: "العمل الفني هو عاطفة متجمدة في شكل، لكنه لا يترك هذه العاطفة ساكنة؛ بل يحرّكها، ويعيد ترتيبها، ويمزج الإثارة بالانفراج في معادلة واحدة.
" هيكل الكتاب: ينقسم الكتاب إلى ثلاثة محاور أساسية
1. الشعر — يحلل فيغوتسكي قصائد لشعراء روس وعالميين، ليرى كيف يتشكل الأثر العاطفي من خلال الإيقاع والصور البلاغية. "الكلمة الشعرية ليست رمزاً للفكرة فحسب، بل وعاء للمشاعر، يطلق العنان لما هو مكبوت في النفس.
2. المسرح — يدرس المسرح كخبرة انفعالية جماعية، حيث تتلاقى الكلمة والحركة والفضاء البصري. "المسرح لا يكتفي بإعادة تمثيل الحياة، بل يضغطها ويكثّفها، ليعيد تقديمها لنا ككتلة من الانفعال المصفّى.
3. الفن التشكيلي — يتناول اللوحة كترتيب بصري منظم للانفعال، وكيف يمكن لشكل ولون أن يعيد برمجة مشاعرنا.
"الخطوط ليست محايدة، إنها لغة؛ والألوان ليست زينة، إنها نغمات للعاطفة." الفن كمعادلة بين الإثارة والانفراج: إحدى أفكار فيغوتسكي الجوهرية أن الفن يعمل كـ"معادلة انفعالية" تقوم على شدّ المشاهد أو القارئ إلى ذروة التوتر العاطفي، ثم تحريره بطريقة تمنح إحساساً بالاكتمال. يشبّه ذلك بالبنية الموسيقية التي تتصاعد ثم تحلّ عقدتها في النهاية.
"سر الفن يكمن في تحويل الفوضى الانفعالية إلى نظام، وفي جعل الصراع بين الإحساس والشكل مولداً للمعنى."
البعد الاجتماعي والثقافي: على الرغم من تركيزه على البنية الداخلية للعمل الفني من خطوط وأشكال وألوان وملامس وظلال وأنوار و... الخ، إلا أن فيغوتسكي يربط دائماً بين الفن وسياقه الاجتماعي. يرى أن الفن هو نتاج ثقافة، وأنه لا يمكن فهمه خارج شبكة الرموز والقيم التي أنتجته "سوسيوثقافي". وهذا يجعله قريباً من المنهج الماركسي، لكن مع حساسية أدبية وفلسفية نادرة.
أهمية الكتاب وتأثيره: في الدراسات الجمالية: فتح الكتاب الباب أمام دمج علم النفس بالأدب والفنون البصرية.
في التربية الفنية: ألهم أساتذة الفن على النظر إلى الإبداع كعملية لتنظيم الانفعال، وليس مجرد إنتاج شكل جميل.
في النقد الأدبي: قدّم أدوات لتحليل العمل الفني من الداخل، انطلاقاً من تأثيره النفسي على المتلقي.
اقتباسات مختارة: "لكي نفهم الفن، علينا أن نفهم العاطفة، ولكي نفهم العاطفة، علينا أن ندرس شكلها الفني."
"الفن يحررنا من أسر مشاعرنا، لأنه يعيد صياغتها خارج حدود ذواتنا."
"ليست وظيفة الفن أن يصف العالم، بل أن يعيد خلقه."
لماذا نقرأ فيغوتسكي اليوم؟ في زمن تهيمن فيه الصورة السريعة والذائقة المتعجلة، يعيدنا فيغوتسكي إلى فكرة أن الفن تجربة ذهنية–وجدانية متكاملة، وأن العمل الفني الجيد ليس ما يدهشنا للحظة، بل ما يعيد تنظيم إحساسنا بالعالم
خاتمة: "سيكولوجية الفن" ليس كتاباً عن الجماليات بقدر ما هو كتاب عن الإنسان: عن كيف نصنع رموزاً لترويض عواطفنا، وكيف نحول التجربة الفردية إلى أثر جماعي، وكيف يصبح الفن ليس مجرد انعكاس للحياة، بل قوة في تشكيلها. كما قال فيغوتسكي: "حين نفهم الفن، نفهم أنفسنا… وحين نعيد تشكيل الفن، نعيد تشكيل ذواتنا."
الصور للكتاب والمؤلف ومن جميل إبداعات الفنان # يوسف جاها