حين تطأ قدم الإنسان أرضاً مفتوحة، يسكنه هاجس واحد: كيف يترك أثراً يخلّد حضوره في وجه الفناء؟ اعتقدت السينما الغربية طويلاً أن حياة السكان الأصليين لأمريكا اختُصرت في خيام عابرة ووجوه ملوّنة بلا فلسفة، متجاهلة أن هذه الشعوب أبدعت أشكالاً مدهشة من الهندسة الأرضية والفلكية والروحية، بعضها لا يُقرأ بالعين المجرّدة من مستوى الأرض، بل يحتاج إلى عين الصقر أو إلى منظور السماء ليكشف عن أسراره.
في وديان أوهايو ووادي الميسيسيبي، شيّدت حضارات قديمة ما يُعرف اليوم بـ«فن الأرض» على نطاق عملاق. ومن أشهر هذه الأعمال «تل الثعبان العظيم»، وهو نحت تضاريسي يمتد لنحو أربعمئة وأحد عشر متراً على حافة وادي براش كريك. لو وقفتَ فوقه لما رأيت سوى تلال عشبية متموّجة بلا ملامح واضحة، لكنك ما إن ترتفع عنه حتى يظهر ثعبان أسطوري يلتف بجسده الرشيق، وفي فمه شكل بيضوي رأى فيه كثيرون بيضة كونية، فيما قرأه آخرون ضفدعاً أو رأساً مفتوح الفم. ولم يتفق الباحثون على زمن بنائه، فبعضهم يردّه إلى ما قبل الميلاد بقرون، وبعضهم إلى ما بعد الألف الميلادية. ولم يُعرف على وجه اليقين أيّ شعوب أوهايو القديمة هي التي بنته، لكن الباحثين لا يشكّون في أنهم من أسلاف السكان الأصليين لأمريكا. ويرى عدد منهم أن رأس الثعبان يتجه نحو غروب شمس الانقلاب الصيفي، وأن التواءاته تحاكي حركة الأجرام السماوية، وإن ظلّ هذا التفسير محل نقاش. وسواء صحّ ذلك أم لا، فالأرض هنا تحوّلت إلى مخطوطة ضخمة كُتبت لتُرى من أعلى.
وعلى بُعد آلاف الكيلومترات وبعد قرون، في صحاري الجنوب الغربي، نجد عند قبائل النافاهو صورة معاكسة لهذا الخلود الحجري، فنّاً دقيقاً ومؤقتاً هو «لوحات الرمل المقدسة». لا يلتقي هؤلاء ببناة التلال في تاريخ ولا في نسب، لكن يجمعهما تصوّر مشترك لعلاقة الإنسان بالأرض والسماء. فعند النافاهو يُفهم المرض بوصفه اختلالاً في «الهوزو»، أي الانسجام مع الكون والناس والأرض. ولاستعادة هذا الانسجام يُقام طقس شفاء يقوده منشد حكيم، حفظ بعد تدريب طويل مئات التراتيل وتفاصيل اللوحات المرافقة لكل منها. ويعاونه مساعدون يرسمون معه على الأرض بالرمال الملوّنة والفحم المسحوق وحبوب اللقاح، دون مسطرة أو قياس مسبق. ثم تبدأ اللوحة بالظهور: تنساب الرمال بين إبهام الرسّام وسبّابته خيطاً رفيعاً، فيرتسم على الأرض خطٌّ بعد خط، وتتشكل الأجساد المقدسة والأقواس والسهام شيئاً فشيئاً حتى تكتمل في يوم واحد. ويسمّي النافاهو هذه اللوحة «إيكاه»، أي «المكان الذي تأتي إليه الآلهة وتذهب».
يجلس المريض في قلب هذه اللوحة، وتنتقل إليه، بحسب معتقدهم، قوة الكائنات المقدسة المرسومة حوله. ولا يسمّي النافاهو ذلك «علاجاً بالفن»، فهو عندهم طقس ديني خالص يمتد أياماً ضمن ترنيمة كاملة. غير أن من ينظر إليه بعين اليوم يرى فيه عناصر تلتقي مع ما تعرفه الحداثة عن أثر الصورة والتماثل والطقس الجماعي في اطمئنان النفس، وإن اختلف الاسم والتفسير. وحين تنتهي المراسم ويقترب الغروب، تحدث اللحظة الأكثر جذرية: تُمسح اللوحة بالكامل، ويُجمع رملها ويُعاد إلى الأرض خارج المكان.
وقد خرجت لوحة الرمل اليوم من الأرض إلى جدران المتاحف وأيدي الفنانين، فصارت هوية فنية يحملها النافاهو إلى العالم. بدأ ذلك في أواخر القرن التاسع عشر حين سعى الباحثون إلى توثيق طقوس السكان الأصليين قبل أن تضيع، ثم في عشرينيات القرن العشرين حين نسج المنشد هوستين كلاه تصاميم اللوحات في الصوف، وكان أولها «السجلات الملتفة»، فانتقلت الصورة المقدسة لأول مرة إلى مادة تبقى. وصار لهذا الفن اليوم وجهان: لوحة طقسية يقودها المنشد وتُمحى في الليلة نفسها، ولوحة فنية تُصنع على لوح خشبي يرسمها فنانون يتوارثون الحرفة من آبائهم، وبعضهم منشدون في الوقت نفسه. ويحرص كثير من هؤلاء الفنانين على تغيير بعض التفاصيل في أعمالهم المعروضة عمداً، فلا تكون نسخة طبق الأصل مما يُرسم في الطقس، حفاظاً على قدسية الأصل. ولم يغب الجدل عن هذا الانتقال، فقد أعاد متحف ويلرايت عام 1977 ما لديه من حزم أدوية ولوحات رمل مقدسة إلى مؤسسات النافاهو الثقافية. ومع ذلك صارت اللوحة عند كثيرين وسيلة لإبقاء الرموز والقصص حيّة، ومصدر رزق للأسر، وجسراً إلى جيل لم يعد يتعلّم الطقس بالطريقة القديمة؛ فقد مات الطالب النافاهي الوحيد لكلاه عام 1931، فلم تنتقل كثير من معارفه بالطريقة التقليدية.
وفي هذا الفعل يتجلّى لمن ينظر إليه من خارج معتقدهم أعمق درس في فنهم. فاللوحة لا تُصنع لتُقتنى أو تُعرض خلف الزجاج، بل لتؤدي دورها ثم تعود إلى أصلها. وهنا يتقابل المشهدان اللذان بدأنا بهما: شعبٌ بنى ثعباناً من التراب ليظل شاهداً على الشمس آلاف السنين، وشعبٌ رسم عالماً كاملاً من الرمل ثم سلّمه للريح قبل أن يغيب النهار. وكأن السؤال الذي بدأ به المقال يملك جوابين، لا يلغي أحدهما الآخر؛ فمن الناس من يخلّد أثره بما يبقى على الأرض، ومنهم من يعلم أن أصدق الأثر ما يتركه الجمال في الإنسان حين يمضي. والرمال التي تُمحى عند الغروب لا تضيع، بل تعود إلى الأرض التي خرجت منها، ويبقى في عين من رآها ما لا تمحوه ريح.















