بين أزقة الورش وحرارة المعامل اليدوية، خاضت الصائغة ومصممة المجوهرات سلمى فتيحة رحلتها مع المعدن، بانيةً معرفتها من الصفر، قطعةً بعد قطعة. مسيرة حافلة تمتد لأكثر من عشر سنوات في صياغة الفضة والنحاس، وتركيب الأحجار الكريمة، ودمج الجلد الطبيعي، ابتكرت خلالها أسلوبها الخاص الذي يشكّله الاشتغال الميداني والبحث عن البصمة المستقلة بعيداً عن السائد وقاعات الدراسة التقليدية.
تبدأ فلسفة سلمى من فكرة أن الفن لا يُصنع بل يُحسّ ويُعاش؛ حيث لا تلمس أدواتها ومطارقها قبل أن تصغي أولاً لنداء المادة وحكاية الحجر. تتنقل في أعمالها بين الفيروز، والمرجان، والأرجوان، واللؤلؤ، محولة خامات الأرض إلى قطع تنبض بالحياة، بمرجعية قائمة على إعادة التدوير الجمالي؛ فحين يكسر الحجر، تطحنه إلى مسحوق ليعاد بعثه بلون وجسد جديدين داخل قطعة إبداعية أخرى، مكرسةً رؤيتها التي ترفض الإملاءات التجارية وتصنع فقط ما تحتاجه الروح.
وتتجلى في مجموعاتها التشكيلية حوارات بصرية متعددة؛ من “المجموعة الفرعونية” التي تستحضر روح الحضارات القديمة ورموز الحماية والسيادة عبر النحاس المطعم والعقيق، إلى “مجموعة الربيع” و”كنوز المحيط” التي تتغنى بالطبيعة والنباتات واللؤلؤ، وصولاً إلى “مجموعة أهل الأرض” و”المجموعة الإسلامية” التي تعيد صياغة عناصر التراث، والخط العربي، والهندسة الأندلسية بلغة معاصرة.
لم تكتفِ سلمى فتيحة بالصياغة الشخصية في ورشتها، بل نقلت خبراتها الميدانية نحو التدريب ونقل المعرفة لأجيال جديدة من الشغوفين بهذه الحرفة الأصيلة. تمثل سلمى فتيحة بمشوارها الممتد نموذجاً للحرفية التي تصوغ القصة قبل المعدن، لتبقى كل قطعة تخرج من بين يديها وثيقة وجودية تحمل جزءاً من الروح وتخلد الحكاية إلى الأبد.



















