أربعة… المربع بوصفه هندسة النظام

أربعة… المربع بوصفه هندسة النظام

✍️ د.عصام عسيري 📅 July 19, 2026 ⏱️ 1 دقائق قراءة

المربع هو هندسة النظام. فمن أربعة أضلاع متساوية، وأربع زوايا قائمة، ولد الشكل الذي علّم الإنسان كيف يقيس الأرض، ويخطط المدن، ويبني البيوت، ويمنح الفضاء معنى وحدودًا.

لم يكن المربع يومًا مجرد شكل هندسي، بل كان رمزًا للعقل الذي ينتصر على الفوضى. لذلك ارتبط بالأرض في الحضارات القديمة، بينما ارتبطت الدائرة بالسماء. ومنه انطلقت شبكات العمارة، والزخارف الإسلامية والشعبية، وحركات الفنون التجريدية الهندسية والشكلية، وتخطيط المدن، لأنه الشكل الذي يجمع بين البساطة والدقة والاتزان.

وفي الفن الحديث لم يعد المربع إطارًا للرسم، بل أصبح موضوعًا للفكر. فقد رأى بيت موندريان فيه نظامًا بصريًا يكشف القوانين الخفية للجمال، بينما جعل كازيمير ماليفيتش من المربع الأسود إعلانًا عن ميلاد فنٍ يبحث عن الفكرة قبل الصورة، وعن الجوهر قبل المحاكاة.

أما في تجربتي الفنية، فلا يحضر المربع بوصفه مساحة مغلقة، بل باعتباره نظامًا تنشأ داخله العلاقات بين اللون والخط، وبين الكتلة والفراغ. إنه ليس قيدًا على الحرية، بل شرطها؛ فكل إيقاع يحتاج إلى نظام، وكل جمال يحتاج إلى توازن.

ولعل هذا ما يجعل المربع أكثر من أربعة أضلاع؛ إنه استعارة للحضارة نفسها. فكما لا تقوم مدينة بلا تخطيط، ولا عمارة بلا قياس، لا تقوم لوحة متماسكة بلا نظام بصري يحكم عناصرها.

قال لو كوربوزييه: (الهندسة هي اللغة التي يخاطب بها الإنسان الفضاء). ولعل المربع أكثر مفردات هذه اللغة وضوحًا؛ فهو يعلمنا أن النظام ليس نقيض الإبداع، بل أساسه، وأن البساطة ليست فقرًا في الشكل، بل ثراء في المعنى.

إنني لا أرسم المربع لأنه شكل هندسي، بل لأنه فكرة؛ فكرة الاتزان، والعقل، والنظام. ولذلك يبقى المربع، في الفن كما في الحياة، أكثر من شكل… إنه هندسة الرؤية.

د. عصام عسيري

المربع هو هندسة النظام. فمن أربعة أضلاع متساوية، وأربع زوايا قائمة، ولد الشكل الذي علّم الإنسان كيف يقيس الأرض، ويخطط المدن، ويبني البيوت، ويمنح الفضاء معنى وحدودًا.

لم يكن المربع يومًا مجرد شكل هندسي، بل كان رمزًا للعقل الذي ينتصر على الفوضى. لذلك ارتبط بالأرض في الحضارات القديمة، بينما ارتبطت الدائرة بالسماء. ومنه انطلقت شبكات العمارة، والزخارف الإسلامية والشعبية، وحركات الفنون التجريدية الهندسية والشكلية، وتخطيط المدن، لأنه الشكل الذي يجمع بين البساطة والدقة والاتزان.

وفي الفن الحديث لم يعد المربع إطارًا للرسم، بل أصبح موضوعًا للفكر. فقد رأى بيت موندريان فيه نظامًا بصريًا يكشف القوانين الخفية للجمال، بينما جعل كازيمير ماليفيتش من المربع الأسود إعلانًا عن ميلاد فنٍ يبحث عن الفكرة قبل الصورة، وعن الجوهر قبل المحاكاة.

أما في تجربتي الفنية، فلا يحضر المربع بوصفه مساحة مغلقة، بل باعتباره نظامًا تنشأ داخله العلاقات بين اللون والخط، وبين الكتلة والفراغ. إنه ليس قيدًا على الحرية، بل شرطها؛ فكل إيقاع يحتاج إلى نظام، وكل جمال يحتاج إلى توازن.

ولعل هذا ما يجعل المربع أكثر من أربعة أضلاع؛ إنه استعارة للحضارة نفسها. فكما لا تقوم مدينة بلا تخطيط، ولا عمارة بلا قياس، لا تقوم لوحة متماسكة بلا نظام بصري يحكم عناصرها.

قال لو كوربوزييه: (الهندسة هي اللغة التي يخاطب بها الإنسان الفضاء). ولعل المربع أكثر مفردات هذه اللغة وضوحًا؛ فهو يعلمنا أن النظام ليس نقيض الإبداع، بل أساسه، وأن البساطة ليست فقرًا في الشكل، بل ثراء في المعنى.

إنني لا أرسم المربع لأنه شكل هندسي، بل لأنه فكرة؛ فكرة الاتزان، والعقل، والنظام. ولذلك يبقى المربع، في الفن كما في الحياة، أكثر من شكل… إنه هندسة الرؤية.

د. عصام عسيري

error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x