لم يكن المثلث في تجربتي الفنية شكلاً هندسيًا أستعيره من الرياضيات، بل فكرةً أستعيد بها نظام الكون. فمن ثلاث نقاط يولد أول شكل مستقر، ومن هذا الاستقرار تبدأ هندسة الوجود.
لقد علّمتنا الفنون والهندسة أن المثلث أكثر الأشكال ثباتًا، وعلّمتنا الفلسفة أن الاكتمال يبدأ من ثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل، الولادة والحياة والموت، العقل والروح والجسد. لذلك ظل الرقم ثلاثة يتردد في الفكر والدين والعلم والفن بوصفه رمزًا للتوازن لا مجرد عدد.
في لوحاتي التجريدية لا يحضر المثلث بوصفه عنصرًا زخرفيًا، بل باعتباره بنيةً تُنظم العلاقات بين الكتلة والفراغ، والخط واللون، والحركة والسكون. إنه نظام بصري يبحث عن الاتزان، لا عن التماثل، وعن الوحدة التي تنشأ من تعدد العناصر.
ولذلك فإن الأشكال الهندسية في أعمالي ليست محاكاةً للطبيعة، بل كشفٌ لقوانينها الخفية؛ فكما تستند العمارة إلى المثلث ليحمل البناء، تستند اللوحة إلى العلاقات الهندسية لتحمل المعنى. وهنا يصبح الشكل لغةً، والهندسة فلسفةً، والتجريد وسيلةً لاكتشاف النظام الكامن وراء الفوضى.
إنني لا أرسم المثلث، بل أرسم ما يرمز إليه: الاستقرار، والتوازن، والاكتمال. ولذلك فإن كل لوحة هي محاولة لالتقاط تلك اللحظة التي تتحول فيها ثلاثة خطوط إلى فكرة، وثلاثة أبعاد إلى رؤية، وثلاثة عناصر إلى جمال.
د. عصام عسيري




