في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفي خضم مناخ فكري أوروبي يتلمّس ملامحه بعد دمار شاملبرز الفنان الإيطالي لوتشيو فونتانا بمشروع جذريّ أطلق عليه اسم "المكانية لم يكن مجرد أسلوب تشكيلي جديد بل كان مقاربة فلسفية تهدف إلى تحرير الفن من قيود تقاليده الراسخة.

تمحورت فكرته الأساسية حول تفكيك فكرة اللوحة كسطح مغلق يحاكي الواقع سعى فونتانا إلى تجاوز حاجز البعدين من خلال دمج عناصر الزمن والحركة والصوت والفراغ الحقيقي ضمن العمل الفني لم يهدف إلى تمثيل الفضاء بل سعى إلى جعل العمل الفني حاوية له بحيث يصبح نقطة التقاء بين المادي والمجرد.
بلغت هذه الرؤية ذروتها التجريبية في سلسلة أعماله المعروفة بـ "القطع" في هذه الأعمال تحول الفعل الإبداعي من عملية إضافة إلى عملية حذف وإزالة لم يكن التشقق بالسكين عملاً تخريبياً بل كان تحويلاً جوهرياً لوظيفة العمل الفني:
من التمثيل إلى الوجود:
لم تعد اللوحة تمثل فضاءً بل أصبحت هي نفسها جسماً يحوي فراغاً حقيقياً.
و من الصورة إلى الفكرة:
انتقلت القيمة الجمالية من الصورة المرسومة إلى المفهوم الكامن وراء اختراق سطح اللوحة هذا الانزياح هو ما مهّد الطريق لما عُرف لاحقاً بالفن التصوري حيث تصبح الفكرة هي جوهر العمل الفني.
و من الثبات إلى التغير:
أدخلت الفجوة عنصر الزمن إلى العمل حيث يتغير مظهره بتغير الإضاءة وموقع المشاهد مما يحوّل التجربة من مشاهدة ساكنة إلى عملية إدراك ديناميكية.
يمكن تفسير هذه القطع على مستويين متكاملين:
الأول: كرمز وجودي يعترف بالجرح والفراغ (كاستعارة لآثار الحرب والفراغ المعنوي) لكنه يحوّله إلى إمكانية للتأمل ونافذة على اللامحدود تدفع المشاهد إلى التفكير فيما وراء المادة.
الثاني: كتحرير مادي وفكري حيث حرر فونتانا اللوحة من كونها "نافذة على عالم" إلى أن أصبحت "جسماً في العالم" مؤكداً أن العمل الفني ليس وهماً بصرياً معزولاً، بل هو كائن مادي حقيقي يشغل حيزاً في فراغنا الملموس، ويتفاعل مع ضوئه وظله وحركتنا حوله.
لم يكن لوتشيو فونتانا مجرد فنان يُنتج أعمالاً تشكيلية، بل كان فيلسوفاً يستخدم المادة والفراغ لطرح أسئلة جوهرية عن الوجود والإدراك. لقد نجح، من خلال حركة "المكانية" وأعماله المقطّعة، في تحرير الفن من كونه نافذةً على واقعٍ وهمي، ليجعله جسماً قائماً في العالم، يحاور الفراغ والزمن والضوء.
لم تكن تلك الشقوق والثقوب سوى استعاراتٍ ماديةٍ لأعمق حالات الإنسان: الجرح والأمل، النهاية والبداية، المحدود واللامتناهي. بهذا، تجاوز فونتانا حدود عصره، ليترك إرثاً فنياً لا يقدّم إجاباتٍ بقدر ما يفتح أبواباً للتأمل، مُذكّراً إيانا بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يستفزُّنا ليسأل: ما وراء السطح؟






























