قد تبدو باقة من الأزهار اليوم هدية تحمل لفتة جميلة أو ذوقًا رقيقًا، لكن في أوروبا خلال القرن التاسع عشر كانت قادرة، في ظروف معينة، على أن تقول أكثر مما تقوله رسالة مكتوبة.
فالمجتمع الفيكتوري لم يمنع الحب ولم يجرّم التعبير عن المشاعر، لكنه أحاطهما بمنظومة صارمة من آداب السلوك واللياقة، أولت السمعة وضبط النفس أهمية تفوق المشاعر ذاتها أحيانًا. وفي مناخ كهذا، لم يكن التصريح المباشر دائمًا الخيار الأكثر أمانًا، فازدهرت وسائل تعبير غير مباشرة تحافظ على اللياقة دون أن تمنع وصول الرسالة.
ومن هنا برزت لغة الزهور (Floriography).

ورغم أن فكرة إضفاء معانٍ رمزية على النباتات تعود إلى قرون سبقت العصر الفيكتوري، متأثرة بالأدب والأساطير والرموز الدينية، فإن القرن التاسع عشر شهد تحولًا لافتًا؛ إذ انتشرت في أوروبا كتب خصصت لتفسير دلالات الأزهار، أشهرها كتاب Le Langage des Fleurs الصادر عام 1819 عن مؤلفة كتبت تحت اسم مستعار هو “شارلوت دو لا تور”، ثم تبعته عشرات القواميس التي نظمت هذه الرموز وجعلتها جزءًا من الثقافة الشعبية، من أشهرها Flora’s Dictionary الذي صدر بعد سنوات قليلة، وصولًا إلى الكتاب الذي أصدرته الرسامة كيت غرينواي أواخر القرن، والذي يُعدّ عند كثير من الدارسين بمثابة الفصل الأخير في هذا الشغف الجماعي بلغة الأزهار.
ولم تكن هذه الكتب متفقة دائمًا على المعاني نفسها، بل اختلفت في تفسير بعض النباتات من مؤلف إلى آخر، إلا أنها رسخت فكرة جديدة في الوعي الأوروبي: أن الباقة لم تعد مجرد مجموعة من الأزهار، بل رسالة يمكن قراءتها. لم يكن الناس يحفظون هذه القواميس كما تُحفظ القواميس اللغوية، لكنها كانت منتشرة بما يكفي لتصبح جزءًا من ثقافة المجتمع، وموضوعًا تتناقله المجلات، وكتب الإتيكيت، والهدايا المطبوعة.
وهنا بدأ التحول الذي يهم تاريخ الفن.
فعندما أصبحت الأزهار تحمل معاني يفهمها المجتمع، لم تعد بالنسبة إلى الفنان مجرد عناصر تجميلية توضع في الخلفية لإضفاء الحيوية على المشهد. لقد أصبحت مفردات بصرية قادرة على توسيع السرد، والإيحاء بما لا تقوله الشخصيات، وإضافة طبقة من المعنى لا تظهر للناظر من الوهلة الأولى. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، أخذ عدد من الفنانين، ولا سيما رسامي جماعة ما قبل الرافائيليين، يتعاملون مع النباتات كما يتعامل الشاعر مع الكلمات؛ يختارونها ليس لجمالها فحسب، بل لما يمكن أن تضيفه إلى بناء الفكرة.
ولعل أشهر الأمثلة على ذلك لوحة «أوفيليا» (1851–1852) للفنان جون إيفرت ميليه. فعند النظر إليها تبدو للوهلة الأولى مشهدًا شاعريًا لبطلة شكسبير وهي تطفو على سطح الماء، لكن التأمل يكشف أن النباتات المحيطة بها لم توضع اعتباطًا. فبعض الأزهار التي رسمها ميليه واردة فعلًا في وصف الملكة غيرترود لغرق أوفيليا في مسرحية هاملت — كزهور الأقحوان البري والأعشاب الطويلة التي صنعت منها إكليلها. لكن ميليه لم يكتفِ بما ورد في النص؛ فقد أضاف إلى المشهد زهرة الخشخاش الأحمر التي لم يذكرها شكسبير على الإطلاق، مستعيرًا دلالتها من قاموس لغة الزهور الفيكتوري نفسه، حيث ترمز إلى النوم والموت. وبهذا مزج ميليه بين وفائه للنص الأدبي ومخاطبة جمهوره المعاصر بلغة رمزية موازية يعرفها من قراءاته اليومية في كتب الأزهار، لا من مسرحية شكسبير وحدها. وبهذا لم تعد الطبيعة مجرد خلفية للمأساة، بل أصبحت شريكًا في روايتها، يضيف إلى النص الشكسبيري طبقة جديدة من القراءة البصرية لم تكن موجودة أصلًا عند مؤلفه.

ولم يقتصر هذا التحول على ميليه وحده؛ ففي لوحة «بيتا بياتريكس» (1864–1870) لـ دانتي غابرييل روسيتي، يُعاد إدراج زهرة الخشخاش لكن عبر شفرة روحانية مزدوجة. فالطائر الإلهي الذي يسقط الخشخاش الأبيض في حِجر بياتريس ينقل الرمز من دلالته التجميلية إلى مفصل تعبيري يحسم حالة الغيبوبة والعبور نحو الخلود. روسيتي لا يستعير الرمز ليزين به السطح، بل يطوعه ليعبر عن الحد الفاصل بين التخدير الحسي والموت الروحي، ليصبح الخشخاش عنده محركًا بنيويًا للمأساة داخل اللوحة.

وفي جيل لاحق، قدّم جون ويليام ووترهاوس نموذجًا مختلفًا لهذه العلاقة بين الأدب واللوحة. ففي عمله «روح الوردة» (1908)، يظهر امرأة بثوب حريري مزخرف، تقترب بوجهها من وردة متفتحة وعيناها مغمضتان في لحظة استغراق حسي كامل. اللوحة مستلهمة من قصيدة ألفريد تنيسون «مود» (1855)، وتحديدًا من عبارتها الشهيرة: “وروح الوردة سرت في دمي”. هنا لا تحمل الوردة معنى رمزيًا ثابتًا يُقرأ من الخارج، كما هي حال الخشخاش في اللوحات السابقة، بل تتحول إلى فعل حسي ذاته: الشمّ هو الاستعارة، والزهرة وسيط ينقل الشغف إلى جسد العاشقة لا رمزًا يشير إليه من بعيد. وبهذا يكتمل عند ووترهاوس نوع ثالث من العلاقة بين النص والصورة: فبعد أن جسّد ميليه نصًا مسرحيًا حرفيًا ثم أضاف إليه رمزًا من خارجه، وبعد أن وظّف روسيتي الرمز كعنصر حاسم لتمثيل الانتقال الروحي، جاء ووترهاوس ليجسّد سطرًا شعريًا واحدًا بوصفه مشهدًا بصريًا كاملًا، فتحوّلت العلاقة بين اللوحة والنص من الإشارة إلى التجسيد.

وهذا يكشف في النهاية أن الزهرة لم تكن تحمل معنى ثابتًا بذاتها، بل كان الفنان يخاطب جمهورًا يعرف الثقافة الرمزية التي نشأ فيها، ويستطيع أن يلتقط هذه الإشارات كما يلتقط القارئ الاستعارة داخل القصيدة.
ولهذا، ربما آن لنا أن نعيد النظر في الطريقة التي نقف بها أمام لوحات القرن التاسع عشر. فما يبدو لنا اليوم مجرد تفصيل نباتي أو إضافة جمالية، قد يكون في زمنه جزءًا من لغة كاملة صنعتها العادات والآداب والأدب والذاكرة الثقافية. فربما لا تحتاج بعض اللوحات إلى تفسير جديد، بقدر ما تحتاج إلى أن ننظر إليها مرة أخرى؛ بعين تعرف ما الذي كان يعنيه ذلك التفصيل لمن عاش في زمنه.




