عندما يغيّرنا الجمال: كيف يعيد الرقي تشكيل وعينا؟
هل الذوق الإنساني قناعة ثابتة لا تتبدل، أم أن للجمال سلطانًا خفيًا قادرًا على إعادة تشكيل وعينا من الداخل؟
لعل أكبر أوهام الإنسان أنه يعتقد أن ذائقته قد اكتملت، وأن ما يفضله اليوم سيظل معياره الأبدي للجمال. لكن الحقيقة أن الذوق ليس حجرًا صلبًا، بل كائن حي ينمو ويتغير، وكلما اتسعت خبراتنا اتسعت معه قدرتنا على الرؤية.
لطالما كنت من أشد الميالين إلى التصاميم الحديثة؛ ببساطتها، ووضوحها، وخطوطها النظيفة. أما الطابع الكلاسيكي، فكنت أراه عالمًا مثقلًا بالتفاصيل، وغارقًا في الزخارف، ومحمّلًا بما كنت أعدّه ترفًا بصريًا لا ضرورة له.
غير أن هذه القناعة لم تصمد طويلًا أمام تجربة مهنية استثنائية مع مهندس معماري فذ، أتيحت لي فرصة العمل معه عن قرب. هناك بدأت رؤيتي تتغير، لا لأنني قررت ذلك، بل لأن الجمال الحقيقي يفرض حضوره بصمت.
كنت أتأمل أعماله فأشعر أنني أمام شيء يتجاوز الجدران والأثاث والألوان. كانت المساحات التي يصنعها تحمل توازنًا مدهشًا بين الهيبة والسكينة، وبين الفخامة والانضباط، وبين التفاصيل والانسجام. وكنت أتساءل مرارًا: كيف يفكر هذا الإنسان؟ وكيف يستطيع أن يحول الفراغ إلى هذا القدر من المعنى؟
عندها أدركت أن ما كنت أرفضه لم يكن الكلاسيكية ذاتها، بل الصور المشوهة عنها؛ تلك التي تكدّس الزينة بدل أن تهذّبها، وتضيف التفاصيل بدل أن تمنحها معنى. أما حين تقع الكلاسيكية بين يدي من يمتلك حسًا رفيعًا، فإنها تتحول إلى لغة دقيقة تعيد تعريف الجمال نفسه.
وربما هنا تكمن إحدى حقائق الفن الكبرى: نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن. فالأذواق ليست أحكامًا نهائية نصدرها على العالم، بل مرايا تعكس وعينا وخبراتنا وحدود رؤيتنا. وما نرفضه اليوم قد يصبح غدًا موضع إعجاب، لا لأن الأشياء تغيرت، بل لأننا نحن الذين تغيرنا.
هذا التحول جعلني أعيد النظر في معاييري كلها. أصبحت أرى في الكلاسيكية مساحة أوسع للتأمل، وأقرب إلى الروح، وأكثر قدرة على التعبير عن الجمال حين يُصاغ بإتقان. ولم يعد السؤال بالنسبة لي: أي الأساليب أجمل؟ بل: كيف يصل الإنسان إلى هذا المستوى من العمق والرؤية؟
لا أملك جوابًا قاطعًا عن سر هذه القدرة، لكنني أوقن أن هذا المستوى لا يولد مصادفة، ولا يُمنح اعتباطًا. إنه ثمرة سنوات طويلة من التأمل والممارسة، وعيون لا تتوقف عن البحث، ويدٍ لا تكف عن الصقل، وروح لا ترضى إلا بالاقتراب المستمر من الكمال.
وربما لا تكمن قيمة الفن في أنه يزيّن العالم، بل في أنه يوسّع قدرتنا على رؤيته. فالجمال الحقيقي لا يغيّر الأشياء من حولنا، بل يغيّرنا نحن. وعندما يحدث ذلك، ندرك أن الذوق ليس مجموعة من الأحكام الثابتة، بل رحلة مستمرة نحو فهم أعمق للجمال، ولأنفسنا أيضًا.






