النحات الذي صنع أسوأ كوابيسه

في عالم امتلأ بالتماثيل الكلاسيكية الهادئة والمثالية ظهر في القرن الثامن عشر نحات نمساوي قرر أن يواجه الجنون مباشرة، وأن يحوّل رعبه الداخلي إلى وجوه من رخام. لم يكن فرانتس خافيير ميسرشميت مجرد فنان غريب الأطوار، بل كان حالة إنسانية معقدة، عاش صراعًا نفسيًا مرعبًا، وترك لنا واحدة من أغرب المجموعات النحتية في تاريخ الفن الأوروبي.

فرانتس خافيير ميسرشميت

كان ميسرشميت نحات البلاط المفضل لدى الإمبراطورة ماريا تيريزا يتمتع بمهارة عالية وسمعة قوية لكن هذا المجد لم يدم طويلًا إذ بدأت صحته العقلية في الانهيار بشكل مفاجئ ظهرت عليه هلوسات سمعية وبصرية حادة وتحوّل تدريجيًا من فنان محترف إلى رجل مطارد بأفكار مظلمة لا يستطيع السيطرة عليها ومع تدهور حالته طُرد من أكاديمية الفنون في فيينا، فاختار العزلة التامة في كوخ بعيد هاربًا من البشر لكنه لم يستطع الهروب من عقله

في عزلته سيطر عليه اعتقاد غريب بأن كيانًا شيطانيًا يُدعى “روح التناسب” يهاجمه كل ليلة ويعاقبه لأنه يصنع تماثيل بشرية مثالية وللدفاع عن نفسه ابتكر طقسًا غريبًا يقف فيه أمام المرآة يقرص جسده بقوة حتى يشعر بألم حاد ثم يفتعل تعابير وجه متطرفة ومخيفة وكأنه يحاول إخافة الشيطان بوجهه كانت هذه اللحظات المؤلمة تتحول مباشرة إلى أعمال نحتية وكأن الرخام أصبح وسيلته الوحيدة للنجاة.

رسم توضيحي لرؤوس الشخصيات التي نحتها فرانتس خافيير ميسرشميت، مجموعة من 69 وجهًا بتعابير إنسانية متباينة تكشف الصراع بين العقل والجسد.

من هذا الصراع ولدت سلسلة “رؤوس الشخصيات” وهي مجموعة مكوّنة من عشرات التماثيل النصفية التي تبدو وكأنها التُقطت في لحظة انفجار نفسي وجوه تتلوّى أفواه مفتوحة في صرخة صامتة ألسنة بارزة عيون متشنجة وملامح تتجاوز حدود التشريح الطبيعي هذه الأعمال التي تُعرض اليوم في قصر بلفيدير في فيينا ومتحف جيتي في لوس أنجلوس تبدو وكأنها تنتمي إلى عصر آخر أقرب إلى التعبيرية والسريالية التي لم تظهر إلا بعده بقرن ونصف

يُنظر إلى ميسرشميت اليوم باعتباره فنانًا سبق عصره بجرأة لا تُصدق لم يكن يسعى إلى صناعة جمال كلاسيكي أو تماثيل تُرضي الذوق الإمبراطوري بل كان يحاول ببساطة أن ينجو من نفسه تبدو أعماله كرسائل مشفّرة خرجت من عقل محاصر داخل جسد مرهق ورسائل نحتها بيديه في محاولة يائسة لمواجهة ما كان يطارده ليلًا ترك خلفه ما يقارب تسعة وستين رأسًا بتعابير متفجرة ومختلفة وجوهًا لا تشبه أي شيء في الفن الأوروبي لأنها ببساطة الوجوه الحقيقية للإنسان حين يفقد توازنه الداخلي ويقف وجهًا لوجه أمام خوفه.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x