في عالم امتلأ بالتماثيل الكلاسيكية الهادئة والمثالية ظهر في القرن الثامن عشر نحات نمساوي قرر أن يواجه الجنون مباشرة، وأن يحوّل رعبه الداخلي إلى وجوه من رخام. لم يكن فرانتس خافيير ميسرشميت مجرد فنان غريب الأطوار، بل كان حالة إنسانية معقدة، عاش صراعًا نفسيًا مرعبًا، وترك لنا واحدة من أغرب المجموعات النحتية في تاريخ الفن الأوروبي.

كان ميسرشميت نحات البلاط المفضل لدى الإمبراطورة ماريا تيريزا يتمتع بمهارة عالية وسمعة قوية لكن هذا المجد لم يدم طويلًا إذ بدأت صحته العقلية في الانهيار بشكل مفاجئ ظهرت عليه هلوسات سمعية وبصرية حادة وتحوّل تدريجيًا من فنان محترف إلى رجل مطارد بأفكار مظلمة لا يستطيع السيطرة عليها ومع تدهور حالته طُرد من أكاديمية الفنون في فيينا، فاختار العزلة التامة في كوخ بعيد هاربًا من البشر لكنه لم يستطع الهروب من عقله
في عزلته سيطر عليه اعتقاد غريب بأن كيانًا شيطانيًا يُدعى “روح التناسب” يهاجمه كل ليلة ويعاقبه لأنه يصنع تماثيل بشرية مثالية وللدفاع عن نفسه ابتكر طقسًا غريبًا يقف فيه أمام المرآة يقرص جسده بقوة حتى يشعر بألم حاد ثم يفتعل تعابير وجه متطرفة ومخيفة وكأنه يحاول إخافة الشيطان بوجهه كانت هذه اللحظات المؤلمة تتحول مباشرة إلى أعمال نحتية وكأن الرخام أصبح وسيلته الوحيدة للنجاة.



















