المدرسة الواقعية
قامت المدرسة الواقعية على عاتق جماعة فنية عُرفت بـ "جماعة الباربيزون" أو مدرسة المناظر الطبيعية. ضمت هذه الجماعة عددًا من أبرز الفنانين مثل تيودور روسو (1812-1869م)، وشارل-فرانسوا دوبيني (1817-1878م)، وجان-بابتيست كامي كورو (1796-1875م)، وأونوريه دومييه (1808-1879م). ويُعد أسلوب دومييه تمهيدًا لأسلوب الفنان بول سيزان رائد الفن الحديث.
ويُعتبر الفنان جوستاف كوربيه (1819-1877م) الزعيم الحقيقي لهذه المدرسة حيث وقف بشدة ضد المدرسة الرومانسية وكرس حياته للفن الواقعي، مؤمنًا بأن تسجيل الواقع كما هو يُعد من أسمى أهداف العمل الفني.
جاءت المدرسة الواقعية كرد فعل على المدرسة الرومانسية فقد آمن أصحاب هذه المدرسة بضرورة معالجة الواقع برسم الأشياء كما هي وتسليط الضوء على الجوانب المهمة التي يريد الفنان إيصالها للجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقة فصور الرسام الحياة اليومية بصدق وأمانة، دون أن تتدخل ذاته في الموضوع، بل يتجرد عن تحيزاته الشخصية لينقل المشهد كما هو في الواقع. كما عالجت الواقعية مشاكل المجتمع من خلال تصوير الحياة اليومية، مقدمةً رؤى نقدية وباذرةً للحلول.
لقد اختلفت الواقعية عن الرومانسية من حيث ذاتية الرسام؛ فبينما ترى الواقعية أن ذاتية الفنان يجب ألا تطغى على الموضوع تؤكد الرومانسية على أهمية إحساس الفنان الذاتي وطريقته الخاصة في نقل مشاعره والمدرسة الواقعية هي مدرسة الشعب، تعبر عن عامة الناس بجميع مستوياتهم.
وعند المقارنة بين فنان رومانسي مثل أوجين ديلاكروا الذي كان يرى أن على الفنان أن يصور الواقع من خلال رؤيته الذاتية وبين فنان واقعي مثل جوستاف كوربيه الذي ذهب إلى ضرورة تصوير الأشياء الواقعية كما هي موجودة في الطبيعة نجد أن الأخير دعا إلى الالتزام بالموضوعية والوضوح والدقة في الصياغة، واختيار موضوعات من صميم الحياة اليومية للجماهير، ليعالج مشكلاتهم ويبشر بالحلول، جاعلاً من فنه وسيلة اتصال مباشرة بهم.
يُعتبر كوربيه من أهم أعلام المدرسة الواقعية حيث صور العديد من اللوحات التي تعكس الواقع الاجتماعي في عصره مؤمنًا بأن الواقعية هي الطريق الوحيد لخلاص أمته والجدير بالذكر أن كوربيه فنان فرنسي من أصول ريفية بدأ حياته بتصير حياة الطبقات الغنية وسار في البداية على النهج الباروكي الذي اهتم بتصوير حياة الأثرياء، ثم انتقل إلى نهج الرومانسيين.
وفي عام 1848م، بدأ يفكر في ترك الحركة الرومانسية بعد أن اقتنع بأنها تمثل هروبًا من الواقع ولجوءًا إلى الخيال والذاتية وكان يقول: "أنا لا أستطيع أن أرسم ملاكًا لأنني لم أشاهد واحدًا من قبل." وقد صور كوربيه العديد من الأعمال الفنية الشهيرة مثل لوحة "مرسم الفنان" ولوحة "جنازة في أورنان" التي تعد من أشهر أعماله وفي الأخيرة صور جنازة لشخص عادي وظهر في اللوحة كلب المتوفي وهو يحس بالحزن، واقفًا بين المشيعين وكأنه يشيع صاحبه، مما يعكس واقعية صادقة لذلك المشهد.
كذلك يُعد الفنان كارافاجيو (1571-1610م) فنانًا واقعيًا رائدًا وهو إيطالي الجنسية، ظهر في القرن السادس عشر أي في فترة سابقة لعصر كوربيه. ومن أشهر لوحاته "العشاء في عمواس" التي يُشاهد فيها مجموعة من الأشخاص. وقد امتاز أسلوبه باستخدام توزيع الإضاءة الصناعية بشكل درامي، مما أضفى واقعية عميقة على مشاهديه.