تستمر الرؤى في سرد ما يخالج النفس وما يستوقفنا من أحداث على الساحة التشكيلية حيث يضعنا حضور بعض الأسماء الأكاديمية أمام سؤال عن أثر المعرفة حين تبقى حبيسة الألقاب والمنابر وعن جدوى الخطاب حين يتكرر دون أن يجد الفنان منه ما يعينه على تطوير تجربته
لا نختلف على قيمة العلم ولا على مكانة الأكاديمي الذي يمنح المشهد من وقته وخبرته لكن اللقب وحده لا يصنع أثرًا كما أن كثرة الظهور لا تعني بالضرورة حضورًا فاعلًا فالمعرفة تظهر قيمتها حين تقترب من الفنان وتناقش عمله وتكشف له ما قد يغيب عنه وتساعده على فهم اختياراته وتجاوز عثراته
ومن موقعنا في مؤسسة بصمات فن نحاول أن نفتح مسارات تتجاوز المألوف وأن نقدم للفنان ما يستطيع أن يلمسه في تجربته ومسيرته ولسنا ندعي اكتمال الرؤية أو امتلاك الإجابات بل نحتاج إلى من يناقشنا ويختبر ما نقدمه ويشير إلى جوانب القصور فيه بقدر ما ينصف ما يستحق الإنصاف
لكن ما يستوقفنا هو صمت بعض الأسماء التي ننتظر منها مشاركة معرفية أو قراءة موضوعية بينما نرى حماسها حاضرًا في مناسبات أخرى لا تقدم جديدًا يذكر ولا يمكن الجزم بما وراء هذا الصمت غير أن من حقنا أن نسأل عن المعايير التي تمنح تجربة كل هذا الاهتمام وتترك تجربة أخرى خارج دائرة النقاش
لا نطلب مديحًا ولا شهادة مجاملة فالنقد الصادق أنفع لنا من ثناء لا يقرأ ما نفعل ولكننا نتطلع إلى كلمة حق وإلى استعداد للتعاون وإلى علاقة يكون ميزانها قيمة العمل وما يقدمه للفنان لا قرب أصحابه من دوائر الحضور
لقد مل كثير من الفنانين المحاضرات التي تعيد الأسئلة ذاتها والندوات التي تنتهي بانتهاء الصورة الجماعية ثم يعود كل منهم إلى مرسمه حاملًا مشكلاته نفسها دون إجابة أو توجيه ولا تكمن المشكلة في المحاضرة أو الندوة بحد ذاتها بل في غياب ما يصلها بالممارسة ويمنحها أثرًا يتجاوز وقت انعقادها
الفنان يحتاج إلى ورشة يقف فيها أمام عمله مع ناقد يقرأه بجدية ويشرح له لماذا نجح هذا التكوين وأين تعثرت العلاقة بين عناصره وكيف يمكن للخامة أن تخدم فكرته يحتاج إلى حوار يسمح له بالاختلاف وإلى توجيه يوسع رؤيته ويحفظ شخصيته وإلى متابعة يرى من خلالها ما تغير في أعماله وما لا يزال بحاجة إلى بحث وتجريب
هنا يصبح التعاون مسؤولية معرفية ويكون للأكاديمي دور يستحق مكانته فساعة يقضيها في قراءة تجربة فنان بعمق قد تفتح أمامه ما لم تفتحه سلسلة من اللقاءات العامة وورشة تتبعها مراجعة للأعمال قد تترك أثرًا أبقى من ظهور متكرر يستهلك الكلام نفسه
أما المجاملات التي تتبادلها الوجوه لتتصدر المشهد فإنها قد تصنع حضورًا عابرًا لكنها لا تمنح الفنان أداة ولا تطور تجربة ولا تضيف إلى معرفته وحين يتحول النشاط الثقافي إلى استعراض مستهلك يصبح الفنان آخر المستفيدين منه رغم أنه يفترض أن يكون في صميم غايته
ستظل بصمات فن تفتح بابها للتعاون والنقد والمراجعة فالتغريد خارج السرب لا يعفينا من النقد ولا يغنينا عن خبرات الآخرين لكنه يعبر عن رغبتنا في تجربة مسارات تستجيب لحاجة نراها ونسمعها من الفنانين ونتحمل مسؤولية العمل عليها
وما نرجوه من أصحاب المعرفة أن يقتربوا من هذه المحاولات بما يملكون من خبرة وأن يجعلوا خلافهم معها حوارًا مفيدًا واتفاقهم معها عملًا مشتركًا فالفنان يستحق أن يخرج من كل لقاء بخطوة أوضح وأن يرى في مؤسساته وأكاديمييه شركاء في تقدمه وأن يجد أثر ما نقوله حاضرًا في ما نفعله
ومضة // اجعلوا علمكم أثرًا في تجربة الفنان فالمشهد يتقدم بما تمنحونه لا بما تتصدرونه ..
احمد معوض @




