بين شموخ قمم “عسير” وثقل ذاكرتها المعمارية الضاربة في عمق التاريخ، ولدت تجربة بصرية استثنائية صاغت حوارية فريدة بين أصالة المكان وحداثة الصياغة التشكيلية. إنه الفنان التشكيلي ومعلم التربية الفنية علي عوض العمري، خريج جامعة الملك سعود، الذي ارتبط اسمه بمسيرة حافلة تمتد لنحو عشرين عاماً من التجريب والبحث الدؤوب في تفاصيل الجغرافية السعودية وهويتها البصرية.
بدأت حكاية هذا الشغف الفني من تفاصيل القرى القديمة، والجبال الشامخة، والأبواب المطعمة بالنقوش في الجنوب؛ ليتشكل وعيه الإبداعي بين أروقة الدراسات الأكاديمية والممارسة الميدانية المستمرة. لم يكتفِ العمري بنقل المشهد اليومي، بل جعل من محترفه مساحة للبحث بين التجريد والواقعية والانطباعية والتعبيرية والتجريد الحروفي، معتنياً بجماليات اللون والخط والملمس وتوازنات المساحة البصرية.
وحين تبحر في نتاجه الممتد، تجد حضوراً لافتاً للتراث السعودي بكل أبعاده، ولا سيما عمارة عسير التقليدية، وزخارف القط، والبيوت الحجرية المعلقة، والأزياء، والطبيعة، لتندمج جميعها في تكوينات تجمع بين الهوية والحداثة، وبين أثر الواقع وخيال الفنان. ويتجلى ذلك بوضوح في عمله الزيتي “ترائي”، الذي اختزل فيه سحر الأبواب القديمة ونقوشها بأسلوب مفعم بالعمق والتعقيد البصري.
ولم يقتصر هذا الثراء الإبداعي على المرسم فحسب، بل تميزت مسيرته بحضور نشط في الحراك الثقافي والميداني، من خلال مشاركاته المتعددة في المعارض والورش والفعاليات الفنية المعاصرة. كما يُعد العمري عضواً فاعلاً في عدد من التجمعات الفنية البارزة، وفي مقدمتها نادي بصمات فن، ونادي عناقيد للفنون البصرية، ونادي سعودي آرت، مكرساً جهده لإثراء المشهد الفني والتربوي.
يمثل علي العمري بمشواره الممتد تجربة تشكيلية متجددة، استطاعت أن تترجم سحر التراث الجنوبي وذاكرته المعمارية إلى لغة بصرية معاصرة، ليظل اسمه علامة واثقة في مسيرة الفن التشكيلي السعودي وصوتاً يحمل الأصالة نحو آفاق تعبيرية واسعة.

















