الفن في زمن الاقنعة

الفن في زمن الاقنعة

✍️ أحمد معوض 📅 June 23, 2026 ⏱️ 1 دقائق قراءة

تستمر الرؤى في سرد تفاصيل ما يخالج النفس وما يستوقفنا من أحداث على الساحة التشكيلية. فقد جرت العادة أن يكون التقدم والنجاح محسوبين، وأن تترتب عليهما ضرائب وتضحيات، ويشبهان الخروج من معركة شرسة يتكالب فيها المنافسون، لا لتسلق ذلك الهرم الهلامي بقدر ما يسعون إلى إسقاط المتقدمين ومنعهم من الوصول، أو تشويه سمعتهم ومحاربتهم من خلف الكواليس، مستخدمين جميع الأسلحة المحرمة دوليًا وشرعيًا وعرفيًا. كل ذلك من أجل إيقافك، دون أن تدرك أن من كان بالأمس يبتسم لك هو اليوم يدس السم في العسل، وأن من صافحك كانت يداه ملوثتين بالخطيئة.
أغلب الحاقدين هم الحاسدون، فإذا جاءهم فاسق بنبأ استبشروا به فرحًا، فيزدادون ظلمًا وطغيانًا، لأن في قلوبهم مرضًا فزادهم الله مرضًا. وتأخذهم العزة بالإثم، فيتمادون في كراهية كل نجاح لم يقترن بهم، لأنهم اعتادوا الولاء من المستضعفين ونافخي الأبواق وملمّعي الجوخ، لذلك تجدهم في شلليتهم وطغيانهم يعمهون.
‎في مجتمع الفن التشكيلي، بعض الأسماء التي كنا نعتقد أنها نماذج يُحتذى بها، وأسماء تفرض احترامها لما تمتلكه من تاريخ مليء بالإنجازات، لا يزال البعض منها يفتقر إلى الإنسانية والتواضع والتعامل السوي. فلا يفرق بين ذكر وأنثى في معاملته فحسب، بل يميز بين الآخرين ويضعهم في مراتب متفاوتة وفق مزاجيته وغروره الأعمى.
‎وللأسف، تجد بعضهم أكثر ابتهاجًا مع الجنس الآخر؛ يلبي الدعوات، ويلتقط الصور مع الفنانات، وتعابير وجهه مليئة بالفرح والسرور، حتى وإن كان المعرض متواضعًا أو كانت الفنانة – مع كامل الاحترام – مبتدئة. فحضوره ليس دائمًا من أجل الدعم المعنوي والتوجيه، بقدر ما هو وجاهة واستعراض أو غرض في النفس. بينما إذا دُعي من قبل رجل أو فنان مبتدئ، أو حاول ذلك الفنان الطموح التقاط صورة معه، فإن ملامح وجهه تقول كل شيء مقارنة بالصورة الأخرى.
‎ما زالت عقلية بعض المجتمعات مقترنة بالغرائز البشرية والمصالح الشخصية، بعيدًا عن جوهر الفن ورسالته.
‎وخلف الأقنعة تكمن نفسيات وعقليات، وحين نقترب منها نكتشف أننا بالغنا في إعطاء قيمة لمن لا قيمة حقيقية له.
‎لا يزال الفن مصابًا بفيروس الأنا، ولا يزال كثير من الفنانين يعيشون في غياهب الغرور الذي يسوقهم إلى معتقدات ما أنزل الله بها من سلطان.
‎وعندما يتجرد الفنان من إنسانيته، يسقط في سوآت أفعاله مهما علا شأنه ووصل إلى مراتب عالية؛ فسيندثر يومًا ما ويصبح نكرة، لأن الزمن لا يخلد أصحاب النوايا المتلونة، ولا الوجوه المقنعة، ولا العقليات المتحجرة، ولا أولئك المتأنقين ظاهرًا والخاوين باطنًا.
‎وليس في هذا انتقاص من الآخرين، فهناك أسماء حفرت في الصخر وتركت بصمات خالدة، ليس فقط في أعمالها، بل في أخلاقها وتعاملاتها ودعمها للآخرين دون محسوبية أو مقابل. وإن كان هناك مقابل متفق عليه فلا ضرر، فالمصالح حين تتوحد قد تصنع نجاحات مشتركة، فالنجاحات لا تأتي فرادى.
‎التنافس حق مشروع، والاجتهاد مقرون بالعمل، والأعمال مقرونة بالنوايا، ومن صفت وحسنت نواياه لا يضيع الله أجر من أحسن عملًا.
‎الأرزاق والنصيب والأقدار والمكتوب كلها بيد عالم الغيب، فهو يعلم ما تخفي الصدور، وهو الكفيل بعباده، والمقسم لأرزاقهم بينهم.
‎ولا تحتمل الدنيا ولا الأنفس وزرًا يثقل كاهلها بقدر ما يتوجب عليها أن تحسن التعامل، وتفعل الخير، وتترك أثرًا طيبًا يشفع لها يومًا ما. ولعل تلك الصفات الحسنة تنير لصاحبها الطريق، وتبارك في رزقه، فلا تدري نفس ماذا تكسب غدًا، ولا تدري نفس بأي أرض تموت.
‎لا تستحق بعض الأمور في الحياة أن تجعلنا رخصاء في أعين أنفسنا قبل أعين الآخرين، ولا أن نكابد المعاناة لنكون أحجار عثرة في طريق غيرنا.
‎الفن رسالة تبعث الأمل والمحبة، وتفتح نوافذ في عقول البشر ليروا الجمال والحياة بعيون شعرت به، وقلوب لامسته، وعقول اختزلته، وأنامل جسدت تلك المشاعر، وإحساس صادق أحسن تأطيرها في لوحة تنبض بالحياة.


ومضه // في الفن كما في الحياة، قد يرفعك الإبداع إلى القمة، لكن الأخلاق وحدها هي التي تبقيك هناك.

error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x