ريتشارد داد… الرسّام الذي هرب إلى عالم الجنّ

لم يكن ريتشارد داد مجرد فنان من العصر الفيكتوري بل كان حالة فنية نادرة فنانًا عاش بين عالمين: عالم البشر الذي ضاق به، وعالم آخر لا يراه إلا هو، مليء بالكائنات الصغيرة الوجوه الغريبة والهمسات التي لا يسمعها أحد وُلد عام 1817 في تشاتام بإنجلترا وفي وقت مبكر جدًا ظهرت لديه تلك القدرة الغريبة على ملاحظة التفاصيل التي يتجاوزها الآخرون كان الطفل الذي يجلس طويلًا أمام زهرة واحدة يرسم عروقها الدقيقة كما لو أنه يحاول فكّ لغزها
كبر داد وكبر معه ذلك الحسّ المرهف الذي يشبه حدّ السكين في العشرينات من عمره أصبح عضوًا في الرابطة الملكية للفنون، وأحد أبرز رسّامي "عالم الجنّ" في العصر الفيكتوري يرسم لوحات مزدحمة بالكائنات الصغيرة التي تتحرك في صمت، وكأنها تستعد لبدء مسرحية لا يعرف أحد نهايتها كانت تلك المكانة مقياسًا حقيقيًا لما وصل إليه، وتذكيرًا بحجم ما سيخسره لاحقًا لكن هذا العالم الساحر لم يكن سوى مقدّمة لشيء أكبر… وأعمق… وأكثر ظلمة.

مصر البوابة التي دخل منها إلى عالم آخر

عام 1842 رافق ريتشارد داد اللورد توماس فيليب في رحلة طويلة إلى أوروبا والشرق الأوسط، وكانت مصر إحدى أهم محطاتها خلال هذه الرحلة واجه داد ظروفًا قاسية: تنقّل مستمر، حرارة مرتفعة، تغيّر في نمط النوم، وإرهاق جسدي ونفسي واضح. في هذه البيئة الجديدة المليئة بالمعابد والرموز والأساطير القديمة، تأثر بشكل خاص بفكرة عالم الأرواح والآلهة، ومن بينها الإله المصري أوزوريس المرتبط بالحياة بعد الموت والحساب.
في هذه الفترة بدأت تظهر عليه بوادر اضطراب نفسي كامن تمثّل في شعور متزايد بالقلق وإحساس بأن هناك من يراقبه وصعوبة في الفصل بين أفكاره الداخلية والواقع الخارجي ومع الإرهاق الشديد وتأثره بالأساطير، فسّر هذه الحالة على أنها "تكليف" من قوة عليا فاعتقد أن أوزوريس يوجّهه أو يرسل له إشارات.
لم يكن ذلك نتيجة أسطورة واحدة فقط، بل نتيجة تفاعل بين التعب والبيئة الجديدة وبداية الانهيار وكانت مصر هي الشرارة الأولى لما سيأتي بعدها

الهروب من مصر (1850) لريتشارد داد
الهروب من مصر (1850) لريتشارد داد

لم تكن رحلة داد إلى الشرق مجرد محطة جغرافية، بل كانت نقطة تحوّل جمالية. ظهرت في أعماله لاحقًا نباتات ذات طابع صحراوي وتكوينات متشابكة تشبه الزخارف الشرقية واستخدام للضوء يشبه وهج الصحراء وحضور رمزي للآلهة والأساطير القديمة. حتى عالم الجنّ الذي اشتهر به اكتسب بعدًا جديدًا بعد الرحلة أصبح أكثر غموضًا وأكثر كثافة وأكثر قربًا من الأساطير التي رآها في مصر. كان الشرق بالنسبة له مرآة داخلية انعكست فيها مخاوفه وانفتحت فيها بوابة لم يستطع إغلاقها

العودة إلى لندن والإنكسار

عندما عاد داد إلى إنجلترا، لم يعد الشخص نفسه كان يحمل في داخله أصواتًا لا تهدأ، واعتقادًا راسخًا بأنه مراقَب. بدأت الهلاوس تتكثّف، وبدأت ملامحه تتغيّر، وكأن شيئًا ما يتحرك خلف عينيه. وفي إحدى الليالي، تحت وطأة تلك الأصوات، اعتقد أن والده "شيطان متخفٍّ" جاء ليمنعه من أداء المهمة الإلهية. فقتله. أخذه إلى حديقة في إيبسوم وطعنه بسكين، ثم فرّ نحو فرنسا حيث اعتدى على مسافر آخر قبل أن يُلقى القبض عليه. لم يُحاكم جنائيًا، لأن الأطباء أدركوا أن ما حدث لم يكن جريمة بالمعنى المعتاد، بل انهيارًا كاملًا لعقل لم يتحمّل ما رآه وسمعه. وأُرسل إلى مستشفى "بيدلام"، ثم إلى "برودمور"، حيث قضي بقية حياته.

سنوات المصحّة… الفن كوسيلة للبقاء

داخل المصحّة وبين جدران لا تتغيّر، جلس ريتشارد داد أمام أوراقه وألوانه. لم يكن الرسم بالنسبة له هواية، ولا مهنة بل كان وسيلة للبقاء. وقد أدرك الدكتور ويليام هود المشرف على علاجه في بيدلام أن في هذا الرجل شيئًا لا يجب أن يموت بين الجدران فشجّعه على الرسم بشكل مقصود ووفّر له أدواته، في خطوة إنسانية نادرة في زمن لم يكن يرى في مرضى العقول سوى أجساد بلا مستقبل. كان داد يعمل ببطء شديد طبقات رقيقة من الألوان، تفاصيل متناهية الصغر، وجوه صغيرة تملأ اللوحة كما لو أنها تراقب بعضها البعض لوحته الأشهر The Fairy Feller's Master-Stroke استغرق في رسمها تسع سنوات كاملة تسع سنوات من التركيز المهووس من الهروب إلى عالم آخر من محاولة ترتيب الفوضى الداخلية على سطح لوحة كانت اللوحة بالنسبة له نافذة يطلّ منها على عالم يستطيع التحكّم فيه عالم لا تطارده فيه الأصوات

The Fairy Feller's Master-Stroke

ولادة الأسطورة

عندما توفي داد عام 1886 لم يكن مشهورًا. لم يعرفه الجمهور، ولم تُعرض أعماله في حياته. لكن الزمن يحب القصص الغريبة بعد عقود، أعيد اكتشاف أعماله، وأصبحت لوحاته تُعرض في المتاحف الكبرى، ويُكتب عنها في الكتب، وتُحلّل في الجامعات وذهبت أصداؤه أبعد من عالم الفن حين استلهمت فرقة Queen من لوحته الشهيرة إحدى أغنياتها في دليل على أن ما رسمه بين جدران المصحّة كان يحمل من الحياة ما يكفي لعبور القرون. تحوّل من "مريض في مصحّة" إلى أحد أكثر رسّامي العصر الفيكتوري فرادة وتأثيرًا وأصبحت قصته مثالًا على كيف يمكن للاضطراب النفسي أن ينتج جمالًا لا يشبه أحدًا.

في الختام ريتشارد داد ليس مجرد اسم في تاريخ الفن، بل هو حكاية كاملة عن العقل حين ينهار… وحين يخلق. عن الخيال حين يصبح ملجأً، وعن الفن حين يتحوّل إلى لغة لا تحتاج إلى كلمات. هو الفنان الذي عاش في عالمين، ورسمهما معًا، وترك خلفه أعمالًا لا تزال تُقرأ كأنها رسائل من عقلٍ كان يحاول النجاة. هو الرسّام الذي رسم الجنّ… ليهرب من أشباحه.

83eb269a8403b5d4c68860d3c677c841–richard-dadd-vintage-paintings
e98446950ed115b18b97d9dbcacb9157
Puck (1841)
(c) York Museums Trust; Supplied by The Public Catalogue Foundation
portrait-of-augustus-leopold-egg-1840.jpg!Large
dr-william-orange-1875.jpg!Large
portrait-of-a-young-man-1853.jpg!Large
sir-alexander-morison-1852.jpg!Large
contradiction-oberon-and-titania-1858.jpg!Large
0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x