حين يصبح الجسد آخر ما تبقّى من العالم
"لا تقلدوا أحداً… اصنعوا ما لم يُصنع من قبل."
بهذه الجملة التي تشبه إعلان ولادة جديدة، ظهرت حركة غوتاي في اليابان عام 1954 في بلدٍ خرج من الحرب العالمية الثانية بلا يقين. كانت اليابان آنذاك أرضًا محروقة، ذاكرة مثقوبة وهوية تبحث عن نفسها وسط رماد هيروشيما وناغاساكي.
لم تكن غوتاي مجرد حركة فنية بل كانت محاولة لاستعادة معنى الإنسان بعد أن تحطم كل شيء حوله.
الفن الياباني بعد الحرب كان يعيش أزمة حقيقية المدارس الأكاديمية بدت عاجزة أمام حجم المأساة والفرشاة الهادئة لم تعد قادرة على تمثيل الانفجار، واللوحة لم تعد مساحة جمالية بل ساحة صراع. كان السؤال الذي يطارد الفنانين الشباب: كيف يمكن للفن أن يستمر بعد أن رأى العالم مدينة تتبخر في ثانية؟
كيف يمكن لخط مرسوم بهدوء أن يصف صرخة ناجٍ من الإشعاع؟
كان على الفن أن يولد من جديد، من الصفرو من الجسد.

بعد الحرب، اختفت البيوت و المدن و الذاكرة و الهوية لكن الجسد بقي لكنة مكسورًا مشوهًا وحركة غوتاي فهمت هذا جيدًا إذا لم يبقَ شيء سوى الجسد فلنرسم بالجسد الجسد أصبح الفرشاة والأداة، والسطح، والصرخة، والدليل على أننا ما زلنا أحياء لم يعد الجسد موضوعًا للرسم بل أصبح هو فعل الرسم نفسه.

كازو شيراغا كان يعلّق نفسه بحبل ويتأرجح فوق اللوحة، يرسم بقدميه كأنه يصارع خصمًا لا يراه. لم يكن ذلك أداءً استعراضيًا، بل فعلًا بدائيًا يشبه طقسًا روحيًا، كأن الجسد يحاول أن يطرد ما تبقّى من الخوف والدمار داخله. كل ضربة قدم كانت محاولة لاستعادة السيطرة على العالم، وكل انزلاق على الطلاء كان تذكيرًا بأن الحياة ما زالت تتحرك رغم الخراب. في تلك اللحظة، لم يكن شيراغا يرسم لوحة، بل كان يعيد اختراع معنى البقاء. فنانون آخرون حطموا زجاجات مليئة بالدهان على القماش فاللون لم يُسكب بل ينفجر. فنانات ارتدين فساتين من المصابيح المشتعلة، فالضوء كان كرمز الاشتعال آخرون ركضوا فوق الورق يتركون آثار أقدامهم كأنها بقايا حياة غوتاي لم تكن تبحث عن الجمال بل عن الحقيقة كانت تحاول أن تقول إن الفن ليس ما ليس ما نراه بل ما نعيشه.
لقد كانت غوتاي ردّ فعل على هيروشيما ولكن ليس غضبًا سياسيًا كان غضبًا وجوديًا غضبًا من هشاشة الإنسان من عبثية العالم من قُدرة لحظة واحدة على محو مدينة كاملة من صمت الفن التقليدي أمام المأساة. غوتاي لم تكن تقول "نحن غاضبون من أمريكا" بل كانت تقول "نحن غاضبون لأن العالم أصبح بلا معنى… ونريد أن نعيد بناء المعنى من جديد."
والأهم من ذلك أن غوتاي كانت دون أن تعلن ذلك، شكلًا مبكرًا من العلاج بالفن لم يكن الفنانون يحاولون صنع “أسلوب جديد” بل كانوا يحاولون النجاة كانوا ينفّسون عن غضبهم بطريقة بدائية صادقة وغريزية كأن الجسد نفسه يبحث عن طريقة ليقول ما لا يمكن قوله بالكلمات لم يكن هدفهم إبهار الجمهور بل تحرير أنفسهم من ثقل الصدمة كانت الحركة أشبه بجلسة علاج جماعي، حيث يتحول الألم إلى حركة والصدمة إلى فعل والجسد إلى مساحة لاستعادة السيطرة على عالم فقد السيطرة.






