هان فان ميغرين: المزوّر العبقري الذي خدع النازيين

يزخر تاريخ الفن بقصص المزورين لكن لا أحد منهم يشبه الهولندي هان فان ميغرين لم يكن مجرد فنان ساخط ولا مجرد محتال بارع بل رجلٌ حوّل غضبه إلى خطة انتقامية وانتقامة إلى أسطورة وأسطورته إلى محاكمة قلبت مصيره من الإعدام… إلى البطولة

كان فان ميغرين رسامًا موهوبًا لكن النقاد رأوا فيه فنانًا “رجعيًا” بلا روح بلا حداثة بلا قيمة
لم يغفر لهم ذلك شعر بأنهم دمّروا مستقبله فقرر أن يدمّر يقينهم لم يخدعهم بعمل عابر بل درس أسلوب يوهانس فيرمير كما لو كان يشرّح جثة فنية فدرس الضوء، والملمس، والطبقات، وحتى الكيمياء ثم اشترى لوحات قديمة من القرن السابع عشر ليعيد الرسم فوقها وخلط ألوانه بمادة الفينول فورمالديهايد ثم خبز اللوحات في الفرن ليمنحها التشققات التاريخية التي لا يميزها إلا الزمن وعندما ظهرت لوحاته فانحنى النقاد أمامها وكتبوا تقارير أقسموا فيها أنها “أعظم أعمال فيرمير المفقودة” كان انتقامه قد بدأ

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وجاء معها رجل واحد غيّر مسار القصةهيرمان غورينغ الرجل الثاني في الرايخ الثالث كان غورينغ مهووسًا بجمع الفن وعندما عُرضت عليه إحدى لوحات فان ميغرين المزورة اعتقد أنه أمام كنز هولندي لا يقدّر بثمن دفع ثروة هائلة ليحصل على “فيرمير” الذي لم يكن سوى خدعة محكمة فأصبحت اللوحة جوهرة مجموعته الخاصة بينما كان فان ميغرين يضحك في الظل.

لوحة “العشاء في عمواس” التي زوّرها هان فان ميغيرين عام 1937، وتُعد أشهر تزوير في تاريخ الفن؛ لوحة نُسبت لفيرمير لسنوات وخدعت المتاحف والخبراء قبل انكشاف حقيقتها.

لكن بعد سقوط النازية انقلبت اللعبة اعتُقل فان ميغرين بتهمة “بيع تراث وطني للعدو” كانت التهمة تعني الخيانة العظمى… والإعدام لم يكن أمامه سوى أن يكشف الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على تصديقها “أنا لم أبع للنازيين تراثًا وطنيًا… أنا بعتهم لوحة رسمتها بيدي” بدا كلامه جنونًا كيف يمكن لرجل واحد أن يخدع كبار خبراء أوروبا؟ كيف يمكنه أن يصنع “فيرمير” يقسم الجميع أنه أصلي؟ ولكي يثبت براءته طلب أدواته الخاصة بالرسم في زنزانته وتحت أعين الشرطة والخبراء جلس ورسم “فيرمير” جديدة من الصفر شاهدوا الطبقات والضوء والملمس والتقنية الكيميائية نفسها شاهدوا الخدعة تتكرر أمامهم عندها فقط صدّقوه.

وهكذا لم يخرج فان ميغرين من محاكمته إلى حياة جديدة كفنان حر بل خرج منها إلى التاريخ حُكم عليه بالسجن لمدة عام واحد في عام 1947 لكنه توفي بنوبة قلبية بعد شهرين فقط من صدور الحكم ومع ذلك لم يُحفظ اسمه في الذاكرة بوصفه خائنًا، ولا كفنان مرفوض، بل كظاهرة فريدة في تاريخ الفن رجل أثبت أن العالم قد يصدق الكذبة إذا كانت جميلة بما يكفي وأن أذكى انتقام… هو أن تترك الحقيقة تمشي خلفك بينما يركض الجميع خلف الوهم الذي صنعته لهم.

بعد وفاته أصبح فان ميغيرين نفسه ضحية للتزوير من ابنه جاك بعد شهرته.
مجموعة من توقيعات هان فان ميغيرين، تضم نماذج أصلية وأخرى مزيفة أو مشكوكًا فيها. وبعد أن أصبح فان ميغيرين مشهورًا عقب الكشف عن مزيفاته عام 1945، بدأ اسمه نفسه يُستغل، وظهرت أعمال موقعة باسمه لكنها ليست من صنعه
نسخة مزوّرة من لوحة “The Procuress” نفّذها هان فان ميغيرين تقليدًا لعمل ديرك فان بابورين، وتُعد من أشهر تزويراته المعروضة في Courtauld Gallery.
فتاة تعزف لهان فان ميجيرين
0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x