متلازمة ستندال

عندما يدفعك "الجمال المفرط" إلى حافة الانهيار!

هل سبق لك أن وقفت أمام لوحة فنية وشعرت بجمالها يتسلل إلى أعماقك؟ هذا طبيعي لكن هل يمكن لعمل فني أن يكون شديد الجمال والرهبة لدرجة أن يصيبك بالدوار أو تسارع نبضات القلب أو حتى الإغماء والهلوسة؟ الإجابة الطبية هي: نعم إنها حالة نادرة وموثقة سريرياً تُعرف باسم "متلازمة ستندال" (Stendhal Syndrome) وهي ظاهرة تثبت أن الفن العظيم لا يحرك المشاعر فحسب بل يمكنه أن يعبث بالجهاز العصبي البشري!

ستندال

البداية كانت في فلورنسا ارتبطت التسمية بالكاتب الفرنسي ماري هنري بيل المعروف باسم ستندال خلال زيارته لمدينة فلورنسا عام 1817 وقف أمام جداريات جوتو في كنيسة سانتا كروتشي ودوّن في مذكراته وصفًا لحالة من الانفعال الشديد: نبض متسارع، شعور بالانهاك، وفقدان شبه كامل للاتزان كان هذا أول تسجيل أدبي لحالة صدمة جمالية ناتجة عن مواجهة مباشرة مع عمل فني أصيل.

كنيسة Santa Croce.

وفي عام 1979 لاحظت الطبيبة النفسية الإيطالية جراتسييلا ماغيريني حالات متكررة لزوّار مدينة فلورنسا يعانون من أعراض مشابهة بعد مشاهدة أعمال فنية بارزة مثل تمثال ديفيد لمايكل أنجلو أو لوحات بوتيتشيلي جمعت الطبيبة أكثر من مئة حالة ودرستها سريريًا ثم أطلقت على الظاهرة اسم متلازمة ستندال
الأعراض المسجلة شملت: تسارع نبض القلب ونوبات قلق حادة وارتباك إدراكي فقدان مؤقت للوعي في بعض الحالات العامل المشترك كان مواجهة مباشرة مع أعمال فنية ذات قيمة تاريخية وجمالية عالية.

تمثال ديفيد لمايكل أنجلو

سُجّلت حالة مشابهة لدى الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي عام 1867 أثناء وقوفه أمام لوحة جثة المسيح الميت في القبر لهانز هولباين أثّرت واقعية اللوحة عليه بدرجة كبيرة وتدهورت حالته خلال ثوانٍ وكاد أن يتعرض لنوبة صرع لولا تدخل زوجته لاحقًا ظهرت هذه التجربة في روايته الأبله حيث تناول أثر الصورة على الوعي الإنساني.

لوحة “جثة المسيح الميت في القبر” – هانز هولباين

لماذا تحدث هذه الاستجابة؟

يفسّر علماء النفس والأعصاب هذه الظاهرة بوصفها استجابة ناتجة عن حِمل إدراكي وعاطفي مرتفع. فعندما يقف شخص يمتلك حساسية جمالية عالية أمام عمل فني أصلي طال انتظاره تتفاعل عدة عناصر في اللحظة نفسها:
التاريخ المتراكم للعمل
كثافة التفاصيل البصرية
حضور اللون والضوء
التوقعات المسبقة
المفارقة بين رؤية النسخة الأصلية وما اعتاد عليه من صور مطبوعة
هذا التداخل يخلق نشاطًا عصبيًا مكثفًا يتجاوز قدرة الدماغ على التنظيم اللحظي فتظهر الأعراض الجسدية.
وفي النهاية يبقى الأثر الحقيقي للفن هو ما يتركه في الداخل… ذلك الاضطراب الخفيف أو الدهشة الصامتة أو ذلك الشعور بأن شيئًا ما تغيّر دون أن نعرف كيف أو لماذا.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x