عندما يتحول الرسم إلى شِعر بصري
في عالم الفن التشكيلي، توجد تقنيات غيرت وجه التاريخ الفني، ومن بينها تقنية "السفوماتو" التي تعني حرفياً "التحول إلى الدخان" باللغة الإيطالية. هذه التقنية العبقرية ليست مجرد طريقة تظليل عادية، بل هي فلسفة بصرية متكاملة حوّلت اللوحات إلى عوالم حية تتنفس.
يعود الفضل في تطوير هذه التقنية إلى عبقري عصر النهضة ليوناردو دافنشي، الذي أدرك أن الطبيعة لا تعرف الخطوط الحادة، وأن كل شيء في الواقع يتلاشى ويندمج بسلاسة. في لوحته الخالدة "الموناليزا"، نرى كيف تحولت الابتسامة إلى لغز بفضل طبقات رقيقة من الطلاء الشفاف وضعت بإتقان فوق بعضها، بحيث لا يمكن تحديد النقطة التي يبدأ فيها الضوء وينتهي الظل.
لكن دافنشي لم يكن الوحيد، فقد استخدم هذه التقنية أساتذة آخرون مثل كوريجيو في أعماله الدينية، حيث أعطى للقديسين هالة نورانية تبدو وكأنها تنبعث من داخل اللوحة. الفرق بين السفوماتو والتقنيات المشابهة مثل "الكلير-أوبسكور" هو أن الأخيرة تعتمد على التباين الحاد بين الضوء والظل، بينما تبحث السفوماتو عن مناطق انتقالية غير مرئية تقريباً.
من الناحية التقنية، تتطلب السفوماتو صبراً استثنائياً. كان الفنانون يضعون طبقات رقيقة جداً من الطلاء الزيتي (أحياناً تصل إلى 30 طبقة) مع ترك كل طبقة تجف قبل تطبيق التالية. وكانوا يستخدمون أطراف الأصابع أو فرشاً من فرو السمور الناعم جداً للمزج. هذه العملية قد تستغرق شهوراً لإنهاء مساحة صغيرة من اللوحة.
في العصر الحديث، نجد تأثير السفوماتو في التصوير السينمائي، خاصة في أفلام المخرجين الذين يحبون الأجواء الحالمة مثل تيرينس ماليك. كما أن مصممي الألعاب الإلكترونية يستخدمون خوارزميات تحاكي هذا الأسلوب لإعطاء المشاهد عمقاً واقعياً.
ما يجعل السفوماتو تقنية خالدة هو قدرتها على محاكاة الطريقة التي يدرك بها العين البشرية العالم من حولها. فالعين لا ترى حوافاً حادة، بل ترى انتقالات لونية ناعمة، وهذا بالضبط ما توفره هذه التقنية العبقرية التي تربط بين علم البصريات والفلسفة والفن في وحدة جمالية أخاذة.














