نهايات النقد الفني أم غاياته؟

قراءة في ثورة الأصوات المتعددة مع باتريشيا بيكرز لطالما ترددت مقولة في عالم الفن المعاصر (موت النقد الفني) وهناك كتابان مهمان بعنوان موت الناقد وموت المؤلف أو تراجعه التدريجي أمام هيمنة السوق المادية وسلطة المنسقين الفنيين القيّمين.
في خضم هذا التشاؤم يأتي كتاب نهايات النقد الفني (The Ends of Art Criticism) الذي يظهر غلافه في والصادر عام 2021 من 141 صفحة للكاتبة والناقدة باتريشيا بيكرز (Patricia Bickers) ليفند هذه الادعاءات ويطرح رؤية مغايرة تنبض بالأمل والتجديد.
هذا الكتاب الذي يمثل إضافة نوعية لسلسلة اتجاهات جديدة في الفن المعاصر لا يكتفي برصد واقع النقد بل يعيد تشكيل فهمنا لغاياته الحقيقية في القرن الحادي والعشرين

باتريشيا بيكرز: عين خبيرة على المشهد الفني

لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن سيرة كاتبته فهي تتمتع بموقع ريادي في الساحة الفنية حيث ترأست تحرير المجلة العريقة آرت مونثلي (Art Monthly) لأكثر من ثلاثين عاماً هذه المنصة منحتها رؤية بانورامية للتحولات التي عصفت بالفن والنقد على حد سواء وجعلتها شاهدة على تبدل المدارس وتغير لغة الخطاب البصري. خبرتها العميقة لم تجعلها تتبنى نظرة نوستالجية متعالية تبكي أطلال الماضي، بل مكنتها من تقديم رؤى جريئة ومثيرة للفكر حول الأسئلة والنقاشات التي تحيط بالكتابة النقدية الحالية.

الأفكار المحورية: غياب المركزية كمصدر قوة

يلعب عنوان الكتاب The Ends على وتر مزدوج في اللغة الإنجليزية: فهو يعني النهايات بمعنى الزوال والموت، ويعني أيضاً الغايات بمعنى الأهداف والمقاصد.
من هذا المنطلق، تناقش بيكرز عدة أفكار محورية تفكك من خلالها سردية الأزمة وهي تعدد الأصوات بدلاً من الصوت الواحد. تتصدى بيكرز للفكرة القائلة بأن النقد فقد سلطته، وتجادل بأن افتقار الساحة النقدية اليوم لصوت واحد مهيمن (كما كان الحال في عصر الحداثة) ليس نقطة ضعف كما يروج البعض، بل هو نقطة قوة هائلة

إفساح المجال للمهمشين

غياب المركزية الغربية الأحادية سمح بظهور أصوات كانت مُهمشة تاريخياً، وأفسح المجال لوجهات نظر عالمية وسياسية متنوعة، مما يثري الساحة الفنية

إفساح المجال للمهمشين

غياب المركزية الغربية الأحادية سمح بظهور أصوات كانت مُهمشة تاريخياً، وأفسح المجال لوجهات نظر عالمية وسياسية متنوعة، مما يثري الساحة الفنية

ثورة الإنترنت ووفرة الإنتاج

تعترف الكاتبة بالزيادة الهائلة في إنتاج وتداول النقد الفني في عصرنا بفضل التكنولوجيا الرقمية والإنترنت وترى بيكرز أن هذه الوفرة والمنصات المتعددة لا تضعف الصوت النقدي، بل تجعله أكثر تنوعاً واتساعاً في التأثير

تفكيك المفاهيم التقليدية

يتناول الكتاب في فصوله قضايا شائكة بجرأة، مثل أسطورة المسافة النقدية، وصعوبة إطلاق أحكام القيمة، والنسبية الثقافية، محذراً من خطر تحول النقد إلى مجرد تنظير أكاديمي جامد.

اقتباسات مضيئة ورؤى نقدية

من أبرز ما يميز الكتاب هو لغته الصريحة والمباشرة. يقول الناقد باري شوابسكي في مراجعته لأهم أفكار بيكرز: وقت القلق الحقيقي هو عندما لا يُنظر إلى النقد على أنه في أزمة، عندما يكون هناك إجماع.
في هذا الاقتباس، تؤكد بيكرز أن جوهر النقد هو الاختلاف وتعدد الرؤى، وأن الإجماع التام يمثل ركوداً للفكر. كما ترفض الفكرة الشائعة بأن وظيفة الناقد هي مجرد فرض حكم قيمة هيمني، بل تدعو إلى زراعة ثقافة الخلاف الموضوعي البنّاء.
وتطلق الكاتبة تحذيراً شديد اللهجة قائلة إن الفن والنقد معاً معرضان لخطر الاستيعاب، والمأسسة، والتنظير الذي يخرجهما من حيز الوجود، مشددة في الوقت ذاته على الحاجة الملحة والضرورية لاستمرار النقد المستقل.

الأهمية المعرفية للفنانين والنقاد

بالنسبة للنقاد، يُعد هذا الكتاب بمنزلة بيان تحرير؛ فهو يخلصهم من عبء البحث عن سلطة مطلقة، ويشجعهم على تبني أساليب كتابة متنوعة وحرة تستوعب المتغيرات.
يدفع الكتاب النقاد للاشتباك مع العمل الفني بصدق، مؤكداً أن تعدد الأصوات واختلافها هو دليل عافية، وليس دليلاً على الاحتضار.
أما بالنسبة للفنانين، فتكمن أهمية الكتاب في كونه يعيد تشكيل العلاقة الهرمية بينهم وبين الناقد. لم يعد الناقد هو القاضي الذي يمنح صكوك الغفران أو الإدانة للعمل الفني، بل أصبح شريكاً حيوياً في إنتاج المعنى. هذا الفهم يرفع عن كاهل الفنان ضغط الخضوع لمعايير نقدية أحادية، ويفتح أعماله أمام قراءات متعددة تحتفي بالثقافات والهويات المختلفة، مما يمنح العمل الفني مساحة أكبر للتنفس بعيداً عن قوالب الأكاديميات الصارمة.
لا نهاية للنقد في الختام، لا تكتب باتريشيا بيكرز مرثية للنقد الفني، بل تحتفي بولادته المتجددة. كتاب نهايات النقد الفني هو دعوة مفتوحة لكل مشتغل في الحقل الثقافي لإعادة التفكير في دور الكتابة الفنية اليوم؛ ليس بوصفها سلطة متعالية، بل كحوار مستمر يتسع للجميع. إنه قراءة ضرورية لكل من يبحث عن بوصلة نقدية وسط ضجيج الآراء في الساحة الفنية المعاصرة.

حوار صوتي مع الكاتبة باتريشيا بيكرز حول أطروحات كتابها الجديد والتغيرات في ساحة النقد يقدم هذا المقطع مقابلة حوارية مع الكاتبة تستعرض فيها تفاصيل تجربتها الطويلة وأبرز الدوافع التي قادتها لكتابة هذا العمل المرجعي المهم.

5 1 vote
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x