الديكور قبل الفن

حين يتحوّل الفنان إلى مزوّد ألوان

في السنوات الأخيرة بدأت علاقة غريبة تتشكّل بين الفن والسوق علاقة لا تقوم على الفكرة أو التجربة الجمالية بل على شيء أكثر سطحية تناسق اللوحة مع لون الأريكة لم يعد بعض المشترين يبحثون عن عمل فني يحمل رؤية أو أثرًا بل عن قطعة تُكمل غرفة الجلوس كأن اللوحة جزء من أثاث المنزل لا أكثر هذه الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ الديكور قبل الفن تضع الفنان أمام سؤال صعب هل يصنع عملًا فنيًا… أم يلبّي طلبًا لونيًا؟
الفنان يجد نفسه في منطقة رمادية من جهة هناك رغبة طبيعية في البيع في الوصول إلى جمهور في أن يرى عمله معلّقًا في مكان ما ومن جهة أخرى هناك خوف من أن يتحوّل إلى مجرّد منفّذ لطلبات السوق يختار الألوان حسب لوحة الأقمشة ويضبط التكوين وفق مساحة الجدار هنا يبدأ التوتر الحقيقي : كيف يحافظ الفنان على صدقه الداخلي بينما يُطلب منه أن ينسجم مع الديكور أكثر من انسجامه مع ذاته؟
المشكلة ليست في رغبة الناس في الجمال أو في ترتيب منازلهم بل في تغييب الفن نفسه اللوحة التي تُطلب فقط لأنها “تمشي مع الكنبة” تفقد معناها قبل أن تُعلّق تصبح شيئًا وظيفيًا، قطعة مكملة لا أثر لها ولا ذاكرة والأسوأ أن هذا النوع من الطلبات يخلق سوقًا كاملة مبنية على الاستهلاك السريع حيث تُنتج اللوحات كما تُنتج الوسائد ألوان متناسقة أحجام جاهزة وخيارات آمنة لا تزعج أحدًا.
الفنان الذي يرفض هذا المسار يُتَّهم أحيانًا بأنه “معقّد” أو “غير تجاري” بينما الحقيقة أن الفن لم يُخلق ليكون مطابقة ألوان الفن بطبيعته يزعج يطرح أسئلة يفتح مساحات جديدة ولا يخضع لمعايير الأثاث ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن السوق اليوم أقوى من أي وقت مضى وأن الفنان مضطر للتفاوض مع هذا الواقع بدلًا من الهروب منه.
بعض الفنانين وجدوا حلولًا وسطية: يصنعون أعمالًا تحمل رؤيتهم لكنهم يقدّمون نسخًا أكثر هدوءًا لمن يريدها كديكور آخرون يرفضون تمامًا ويصرّون على أن اللوحة ليست قطعة أثاث وهناك من استسلم للسوق وأصبح ينتج أعمالًا بلا روح لكنها قابلة للبيع كل خيار له ثمنه سواء كان ثمنًا اقتصاديًا أو فنيًا أو أخلاقيًا.
في النهاية تكشف ظاهرة “الديكور قبل الفن” عن شيء أعمق من مجرد ذوق بصري إنها تكشف عن تحوّل في معنى الفن نفسه داخل المجتمع فحين يصبح الفن تابعًا للأثاث يفقد جزءًا من قوته وحين يصرّ الفنان على استقلاليته يخاطر بخسارة السوق وبين هذين الطرفين يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للفنان أن يوازن بين حاجته للعيش وحاجته لقول شيء حقيقي؟
ربما الحل ليس في رفض السوق ولا في الخضوع لها بل في إعادة تعريف العلاقة بين الفن والديكور فالفن يمكن أن يكون جميلًا ومناسبًا للمكان دون أن يفقد روحه المهم أن لا يتحوّل الفنان إلى “مزوّد ألوان” وأن تبقى اللوحة فعلًا إبداعيًا قبل أن تكون قطعة في غرفة الجلوس.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x