القسوة الهادئة في الفن التشكيلي المعاصر

في الفن التشكيلي المعاصر تتخذ القسوة شكلًا لا يعتمد على الصدمة المباشرة وإنما يعمل عبر ما يتركه الجسد من أثر وما تكشفه المادة من توتر صامت هذا النوع من التعبير لا يقدّم العنف كحدث وإنما كظل يمرّ عبر السطح ويستقر في الوعي ما يبدو هادئًا للوهلة الأولى يتحول إلى مساحة ضغط، وما يبدو بسيطًا يكشف عن طبقات من الألم لا تُرى بسهولة

تشوّه ناعم تحت ضغط زجاجي، يكشف أثرًا صامتًا لا يُرى إلا عبر الجلد

تظهر هذه القسوة الهادئة حين يتحول الجسد إلى وثيقة وحين يصبح الوزن لغة وحين يترك الزمن أثره على السطح دون إعلان الجسد هنا لا يُعرض بوصفه شكلًا مكتملًا وإنما بوصفه ساحة تتراكم عليها آثار الحياة كل ندبة و كل انضغاط، كل انحراف بسيط في الملامح يشير إلى قوة غير مرئية تعمل في الخلفية المتلقي لا يواجه مشهدًا عنيفًا وإنما يواجه أثرًا يجبره على ملء الفراغ بنفسه وهذا ما يجعل التجربة أكثر قسوة من أي صورة مباشرة.

مجموعة أجساد منحنية، متكررة، تحمل أثر الزمن في مادتها، وتحوّل الصمت إلى ذاكرة جماعية

في هذا السياق يصبح الصمت عنصرًا أساسيًا الصمت لا يعني غياب الحدث وإنما حضوره بطريقة مختلفة العمل الفني يترك مساحة مفتوحة مساحة لا تقدّم تفسيرًا جاهزًا فيجد المتلقي نفسه أمام سؤال لا يريد سماعه هذا النوع من المواجهة يخلق توترًا داخليًا يستمر بعد انتهاء المشاهدة، كأن العمل لم يغادر الوعي بعد

الفراغ في اعمال انيش كابور ليس غيابا بل حضور

وتتجلى هذه الفكرة في الأعمال التي تعتمد على الجسد بوصفه مادة قابلة للتغيير. الجسد حين يُضغط، أو يُعاد تشكيله أو يُعرض في وضعية غير مستقرة يكشف هشاشته دون الحاجة إلى أي مبالغة ما يحدث على السطح ليس مجرد تشويه، وإنما كشف لطبقة أعمق من الوجود الإنساني. هنا يتحول الجسد إلى مرآة تكشف ما نحاول عادة إخفاءه ثقل الحياة و أثر الزمن و هشاشة البنية وغياب السيطرة.
هذا الأسلوب في التعبير لا يسعى إلى إثارة الذهول وإنما إلى خلق أثر طويل المدى قد يخرج المتلقي من العمل دون انفعال واضح، ثم يعود إليه لاحقًا، كأنه لم ينتهِ بعد. هذا الامتداد جزء من طبيعة القسوة الصامتة، لأنها تعمل ببطء وتستمر في تشكيل الوعي بعد انتهاء التجربة البصرية.

جسد مشوّه في وضعية منهارة يكشف هشاشة البنية وثقل الحياة دون أن يرفع صوته.

في النهاية يكشف الفن التشكيلي المعاصر أن القسوة ليست دائمًا فعلًا صريحًا وأن العنف قد يتخفّى في التفاصيل التي تبدو عابرة ما يترك أثرًا طويلًا ليس الصورة المباشرة وإنما ما يتسرّب من بين طبقاتها. حين يتعامل الفن مع الألم بوصفه أثرًا لا حدثًا، يتحول العمل إلى مساحة يتقاطع فيها الإدراك مع الذاكرة ويجد المتلقي نفسه أمام ما حاول تجاهله طويلًا في هذا النوع من التجارب، يصبح الصمت أكثر حضورًا من الضجيج، ويغدو الجسد شاهدًا على ما لا يُقال تلك هي اللحظة التي يكتسب فيها الفن قوته الحقيقية حين يفتح بابًا نحو هشاشة الإنسان دون أن يرفع صوته.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x