رحلة إلى عقل الفنان عوالم من الإدراك بين العلم والفن
في صباح أحد الأيام من عام 1888 كان الرسام الهولندي فينسنت فان جوخ يجلس في حقل قرب آرل في جنوب فرنسا بينما كان الأشخاص العاديون يرون حقلاً من القمح تحت شمس صيفية كان فان جوخ يرى شيئاً مختلفاً تماماً دوامات من الطاقة الصفراء تتقافز في الهوا، حقولاً تتحرك كأمواج بحر ذهبي، وسماء مليئة بتيارات لونية حية لم يكن هذا مجرد خيال شاعري بل كان نتيجة نظام إدراكي بصري وعقلي فريد تبحث فيه علوم الأعصاب اليوم عن إجابات
هذه الرحلة ليست إلى عالم من التخيل بل إلى بنية العقل البشري عندما يُشرع باب الإبداع على مصراعيه ما نعرفه الآن بناءً على عقود من الأبحاث في علم النفس العصبي وعلم الجمال الإدراكي، هو أن عقل الفنان المتمرس لا يخترع المشاهد من العدم بل يُعالج العالم البصري حوله بطريقة قابلة للقياس والملاحظة
.
الرؤية كعملية بناءة
.
فالرؤية عندالفنان ليست عملية تسجيل سلبية كالكاميرا بل هي عملية بناء نشطة يقوم فيها الدماغ بترجمة الإشارات الضوئية إلى كيان ذي معنى الفارق بين الشخص العادي والفنان يكمن في ما يركز عليه الدماغ أثناء هذه العملية أظهرت دراسات مثل تلك التي أجرتها جامعة هارفارد على طلاب الفنون مقابل الأشخاص العاديين أن الفنانين يميلون إلى قضاء وقت أطول في مراقبة العلاقات المكانية والهياكل الأساسية للمشهد بينما يركز الشخص العادي على تحديد الأشياء وتسميتها هذا "كرسي"، تلك "شجرة"
عقل الفنان بعبارة علمية يقمع التسمية لصالح رؤية الخصائص البصرية الخام: النسب، الضوء والظل، العلاقات اللونية، والكتلة. عندما كان ليوناردو دافنشي يدرس ويدوّن في دفاتره كيفية انعكاس الضوء على ورقة الشجرة أو تموج الماء كان يمارس "الملاحظة المتعمقة" وهو شكل من أشكال التدريب الإدراكي الذي يعيد توصيل الروابط العصبية مع الزمن.
الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي مؤسس الفن التجريدي. كان كاندينسكي يعاني من حالة عصبية تسمى "الترابط الحسي"، حيث يحفز إحساس واحد إحساساً آخر تلقائياً. كان يسمع الأصوات كألوان، ويرى الألوان كأصوات موسيقية لوحاته التجريدية المبكرة مثل "تكوين VII" لم تكن مجرد أشكال عشوائية بل كانت محاولة لترجمة سيمفونية بصرية يسمعها في رأسه إلى سطح اللوحة هنا كان العقل الفني تكويناً عصبياً مختلفاً بالفطرة

