عندما تقرأ العين… ويكون إيكو دليلها في كل صباح، ونحن نفتح أعيننا، تنهمر علينا صور لا تُحصى: نافذة تطلّ على شارع حي وشمس صافية، فنجان شاي يضجّ بالبخار، لوحات تصرخ بألوانها على شاشة الهاتف من الصديق الفنان اليمني البارز زكي اليافعي. أعيش أمتع اللحظات في تأملها. وهنا يأتي صوت أمبرتو إيكو، في كتابه «سيميائيات الأنساق البصرية»، ليهمس لي قائلا: "كل صورة نصّ، وكل نصّ عالم، والعالم شبكة من العلامات."
أمبرتو إيكو… رجل عبر الكلمات ليصل إلى الصورة: أمبرتو إيكو (1932–2016) لم يكن مجرّد فيلسوف أو ناقد أدبي. كان أشبه بمستكشف في غابة لا تُرى إلا بالعين الثاقبة؛ عين المعرفة. كتب في الفلسفة، وعلّم السيميائيات، وأشعل حبره في روايات غدت أيقونات أدبية: «اسم الوردة» التي أهدت القرون الوسطى حياة جديدة، و«بندول فوكو» التي جمعت بين الميتافيزيقا والمؤامرة، و«جزيرة اليوم السابق» التي حملت القارئ بين التاريخ والمستحيل. لكن في كل ذلك، ظلّ وفياً لرسالته الكبرى: قراءة العلامات.
رحلة في قلب اللغة البصرية:
في هذا الكتاب، لا يكتب إيكو عن الصورة كزينة أو كزخرفة للحياة، بل ككائن حي، ينبض بالمعنى، ويخفي تحت جلده البصري تاريخًا وثقافة ورغبات بشرية.
يأخذ بيدك ويقودك عبر متاهة من المفاهيم:
ما الذي يجعل صورة ما "تقول" شيئًا بينما أخرى تبقى صامتة؟
كيف يمكن لخطٍ منحنٍ أو لونٍ دافئ أن يغيّر مزاجنا دون أن ندري؟
ولماذا نشعر أحيانًا أن صورة ما "تشبهنا" حتى لو لم نكن نحن فيها؟
هنا، تتحوّل العين إلى قارئ، والعدسة إلى قلم، والعالم من حولنا إلى مكتبة بصرية مفتوحة.
الصورة ليست ظلّ الشيء:
إيكو يرفض الفكرة الرومانسية التي ترى أن الصورة مجرد انعكاس للواقع. إنها ليست ظلّ الشجرة على جدار المساء… بل هي نصّ مكتوب بلغة أخرى، لا حروف لها، لكنها تملك نحوًا وصرفًا وأدوات لغة وأساليب بلاغة. كما يقول في إحدى خلاصات فكره: "الظواهر، رغم ما تبدو عليه الأشياء في الظاهر، تقوم هي الأخرى على اتفاق… وما من صورة إلا وتستبطن قوانينها الخاصة."
هنا، يُدخلنا في فكرة أن الصورة، مثلها مثل الكلمة، لا تُولد من فراغ، بل من منظومة ثقافية تشكّل المعنى وتوجّهه.
استقلال السيميائيات البصرية:
طوال قرون، كان تحليل الصور محكومًا بمناهج اللسانيات، وكأن الصورة "نص مكتوب بحروف صامتة".
لكن إيكو يثور على هذا القيد، معلنًا أن السيميائيات البصرية علم قائم بذاته، له أدواته ومفاهيمه، وإن لم ينقطع عن الاستفادة من النماذج اللسانية. الصورة عنده ليست مجرد ترجمة بصرية للكلمات، بل خطاب خاص، يتشكّل من الألوان، والأحجام، والزوايا، والإيقاع البصري، والحس الجمعي الذي يحمله المتلقي.
لماذا هذا الكتاب الآن؟
في زمن تهيمن فيه الشاشات، أصبحت الصورة هي العملة الأقوى في سوق الأفكار.
الإعلان السياسي، البوست على وسائل التواصل، صورة الملف الشخصي، البوستر السينمائي، كلها رسائل مُشفّرة، تبرمج وعينا وسلوكنا.
قراءة هذا الكتاب اليوم أشبه بتعلّم لغة البقاء في عالم مغمور بالرموز: كيف تميّز بين الحقيقة والصورة التي تتقمّصها؟ كيف تعرف ما إذا كانت اللقطة تريك ما هو موجود… أم ما يريد صانعها أن تراه فقط؟
ترجمة تُبقي الروح حيّة:
النسخة العربية التي أنجزها محمد التهامي العماري ومحمد أودادا، بمراجعة الناقد سعيد بنكرد - سيميائي عربي مهم-، ليست مجرد نقل حرفي، بل جسر ممتد من فكر إيكو إلى وعي القارئ العربي. لقد أبقوا على نَفَس النص، على إيقاعه، على تلك الدقة التي تجعل المصطلح السيميائي واضحًا دون أن يفقد عمقه.
ملحق تحليلي: مفاتيح قراءة العالم البصري في فكر أمبرتو إيكو
1. العلامة البصرية ليست بريئة في السيميائية، العلامة هي وحدة المعنى، والصورة ليست سوى نوع خاص من هذه العلامات. إيكو يؤكد أن الصورة لا تحمل المعنى بذاتها، بل ضمن اتفاق اجتماعي وثقافي. مثال من الفن: لوحة الموناليزا لا تعني الشيء نفسه في عيون فنان النهضة كما تعنيه لمصور إعلانات اليوم. مثال من الإعلان: شعار شركة "أبل" ليس مجرد تفاحة مقضومة، بل شبكة من الرموز عن الابتكار، الحرية، وربما التمرد.
2. الفرق بين الأيقونة، المؤشر، والرمز يميز إيكو بين ثلاثة أنماط من العلامات: الأيقونة (Icon): تشبه الشيء الذي تمثله (صورة جبل، خريطة). المؤشر (Index): يرتبط بالشيء عبر علاقة مباشرة أو سببية (دخان → نار). الرمز (Symbol): لا علاقة شكلية له بالشيء، بل يقوم على اتفاق ثقافي (الحمامة → السلام). مثال من السينما: مشهد المطر في فيلم قد يكون مؤشرًا على الحزن (مؤشر)، أو استهلالًا لرومانسية (رمز)، أو انعكاسًا واقعيًا للمشهد (أيقونة).
3. الشفرة البصرية (Visual Code) الصورة تُقرأ مثلما تُقرأ اللغة، لكن مفرداتها ليست الحروف، بل: اللون، التكوين، الإضاءة، الزاوية. مثال من الإخراج السينمائي: استخدام المخرج ستيفن سبيلبرغ للضوء الذهبي في E.T ليعطي إحساسًا بالدفء والأمل. مثال من التصوير الصحفي: صورة احتجاج التقطت من زاوية منخفضة تجعل المتظاهرين يبدون أكثر قوة وهيمنة.
4. البعد الثقافي للصورة إيكو يشدد على أن الصور تُقرأ دائمًا في سياقها الثقافي. نفس الصورة قد تُفهم بطرق مختلفة في ثقافتين مختلفتين. مثال واقعي: صورة إنسان يقرأ قد تُقرأ في الغرب كرمز للاطلاع، وفي بعض الثقافات الأخرى كالعربية، رسم Zaki Yafi رجل مسن يقرأ القرآن كرمز للروحانية في الدين والإيمان.
5. الصورة كخطاب سياسي وإعلاني: يرى إكو أن الصورة أداة سلطة، لأنها قادرة على تمرير الرسائل دون أن تبدو وعظية أو مباشرة. مثال من الإعلانات: إعلان مشروب غازي قد يربط المنتج بالشباب والحيوية، رغم أنه لا علاقة بين المذاق وهذه الصفات. مثال من السياسة: صورة سياسي بين أطفال أو مزارعين تُبنى بعناية لإيصال رسالة "القرب من الناس".
6. إعادة إنتاج المعنى المعنى ليس ثابتًا، بل يعاد إنتاجه مع تغيّر الزمن والسياق. مثال من الفن: لوحة بيكاسو غيرنيكا كانت صرخة ضد الحرب الإسبانية، لكنها اليوم تُستَخدم عالميًا كرمز لمناهضة الحروب عمومًا.
خاتمة عامة: عندما تغلق كتاب «سيميائيات الأنساق البصرية»، لن ترى العالم كما كان. ستكتشف أن كل صورة من حولك - من البوستر المعلّق في الشارع، واللوحات والتماثيل التي ينفذها التشكيليون، إلى اللقطة العابرة على شاشة هاتفك —هي رسالة، وبعض الرسائل قد تغيّرك قبل أن تدرك أنك تلقيتها. أمبرتو إيكو يعلّمك أن تكون قارئًا للشكل والكتلة والضوء والظل، للون والخط، للصمت الذي يسكن في قلب الصورة… وأن تدخل، بوعي كامل، في النص البصري للعالم.








