الدم بصمة الحياة والهوية

في عمله الشهير «Self» (1991) قرر الفنان البريطاني مارك كوين أن يجعل من جسده نفسه مادة للنحت على مدى أشهر كان يزور عيادة طبية ويسحب كمية صغيرة من دمه في كل مرة حتى جمع نحو 4.5 لترات — وهي كمية تقارب حجم الدم في جسد إنسان بالغ صَبَّ هذا الدم في قالب دقيق على شكل رأسه ثم جُمِّد التمثال في درجة حرارة منخفضة جدًا ليتحوّل إلى تمثال نصفي مصنوع بالكامل من دمه المتجمد.
لكن جوهر العمل لا يكمن في صدمته البصرية فقط، بل في قرار كوين إعادة صنع التمثال كل خمس سنوات باستخدام دمه من جديد. ومع كل نسخة جديدة، يتغيّر كل شيء لون الدم كثافته تركيبته الكيميائية وحتى ملامح الوجه التي تتبدل مع العمر هكذا تحوّل «Self» إلى سيرة ذاتية بيولوجية لا توثّق مظهر الفنان فقط بل تحوّلات جسده ووجوده نفسه.
الدم هنا ليس مادة صادمة بل سؤال عن الهوية هل نحن أجسادنا؟ أم أننا شيء يتجاوز الجسد؟ كيف نظل “نحن” رغم أن خلايانا تتجدد باستمرار؟ في «Self» يصبح التمثال حيًّا وميتًا في الوقت نفسه مثل الإنسان تمامًا كائن يعيش وهو في طريقه إلى الفناء.
تماثيل الثلج: هشاشة الإنسان وذاكرة الميادين للفنانة: نيلي أزيفيدو (البرازيل)

في ساحة عامة مكتظة حيث تنتصب تماثيل القادة والبطولات من حجرٍ وبرونز، تظهر فجأة مئات المنحوتات الجليدية الصغيرة على شكل بشر عاديين جالسين تحت أشعة الشمس تبدأ هذه التماثيل الهشّة بالذوبان ببطء، قطرة بعد قطرة، وكأنها حياة تتلاشى أمام أعيننا دون أن ننتبه. مشهد يجعل من السهل رؤية الشبه بين الجليد والإنسان: كلاهما يتغيّر بصمت يذبل تدريجيًا، ثم يختفي كما لو أن وجوده كان عابرًا إنها حياتنا باختصار.
هذا هو مشروع "النصب الحدّ الأدنى" للفنانة البرازيلية نيلي أزيفيدو الذي جال مدن العالم من برلين إلى سانتياغو لم تكن تلك التماثيل مجرد منحوتات عابرة بل كانت رسالة موجهة لضمير الإنسانية الأطفال يمدون أيديهم ليلمسوا البرودة التي تتبخر والكبار يتوقفون عن سباقهم اليومي ليتأملوا هذا الاستعجال الغريب نحو الزوال.
كانت أزيفيدو تقول إنها أرادت كسر احتكار النخبة للذاكرة العامة فبدل تمجيد الأبطال اختارت أن تخلّد الإنسان العادي ذلك الكائن الهش الذي تُختزل حياته في سطور قليلة ثم يختفي لكن الذوبان لم يكن مجرد استعارة عن الموت بل كان أيضًا صرخة بيئية تُذكّر بجليد القطبين الذي يختفي وبكوكب يفقد توازنه.
في النهاية لم يبقَ من تلك التماثيل إلا برك ماء صغيرة تتبخر تحت الشمس لكن أثرها يبقى تذكير بأن الذاكرة الحقيقية ليست في الحجر الثابت بل في الوعي المتغير… وأن هشاشتنا جزء من جمالنا ووجودنا.
هيرمان نيتش (نمساوي): العنف كذاكرة أولى

هيرمان نيتش واحد من أكثر الفنانين إثارة للجدل في الفن المعاصر وُلد عام 1938 في فيينا في زمن كانت فيه الحرب تُعيد تشكيل العالم طفولته تشكّلت وسط أصوات القصف، ورائحة الدخان، والوجوه التي تختفي فجأة من الشوارع. كان طفلًا يرى العالم من خلال نافذة مكسورة، ويكتشف مبكرًا أن العنف ليس حدثًا استثنائيًا، بل خلفية ثابتة لحياة البشر.
كبر في بيئة كاثوليكية صارمة تتكرر فيها الرموز المرتبطة بالألم الجسد، والتضحية — رموز ثقافية شكّلت جزءًا من المناخ العام الذي أحاط به الفداء ومع مرور السنوات بدأ يشعر بأن المجتمع يضع طبقة رقيقة من الأخلاق فوق واقع أكثر قسوة. كان يرى التناقض في كل مكان أحاديث عن الرحمة في عالم لا يتوقف عن إنتاج الألم.
لم يستخدم الدم كرمز داخلي أو شخصي بل حوّله إلى طقس جماعي عنيف يعرّي المجتمع نفسه في عروضه الأدائية كان يذبح حيوانات (مثل الخراف) على المسرح، يعلّق الذبيحة، يسكب الدم، ويغمر الفضاء والأجساد في مشهد طقسي صادم مصحوب بالموسيقى الصاخبة والأجساد العارية.
هذه العروض، المستوحاة من طقوس مسيحية ووثنية، لم تمرّ بهدوء:
• قُدِّم للمحاكمة عدة مرات بتهمة الفحش وانتهاك الآداب العامة.
• حُكم عليه بالسجن أكثر من مرة.
• مُنعت عروضه في دول مختلفة من بينها النمسا وألمانيا.
ومع ذلك، دافع عنه بعض النقاد باعتباره فنانًا يضع المجتمع أمام مرآة قاسية: نحن نتقبّل العنف في الأخبار في الحروب في الحيوانات لكننا نرفض رؤيته حين يوضع أمامنا مباشرة في سياق فني.
في تجربة نيتش يتحوّل الدم إلى لغة تكشف التوترات العميقة في المجتمع وتعيد طرح الأسئلة حول علاقتنا بالعنف وكيفية حضوره في حياتنا اليومية
الرماد والجسد الغائب تيريزا مارغوليس
































