كيف تحوّل الفن التجريدي إلى أقوى أسلحة الحرب الباردة؟
دائماً ما ننظر إلى الفن التشكيلي كسفير للسلام وتعبير نقي عن روح الفنان بعيداً عن أروقة السياسة وقاعات الحروب ولكن في خمسينيات وستينيات القرن العشرين أثناء ذروة الحرب الباردة لم تكن المعركة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مجرد سباق تسلح ونووي بل كانت هناك معركة شرسة وأكثر دهاءً تدور رحاها في صالات العرض والمتاحف الفنية الأوروبية.. وكان الجندي السري في هذه المعركة هي (وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية - CIA).
معركة "الواقعية السوفيتية" ضد "الفوضى الخلاقة"
لنفهم اللعبة يجب أن ننظر إلى الساحة الثقافية آنذاك كان الاتحاد السوفيتي يفرض على فنانيه ما يسمى بـ "الواقعية الاشتراكية" (Socialist Realism) وهو فن صارم، كلاسيكي، ومفهوم جداً يصور العمال الأقوياء والمزارعين السعداء لتلميع صورة النظام وإظهاره كمنظومة منضبطة.
في المقابل كانت أمريكا تبحث عن رد ثقافي يثبت للعالم ولأوروبا تحديداً أنها "واحة الحرية" المطلقة التي لا تضع قيوداً على عقل الإنسان مهما بدا جنونياً وهنا وجدت الـ CIA ضالتها في حركة (التعبيرية التجريدية - Abstract Expressionism) التي كانت تتبلور في نيويورك.


الجندي "جاكسون بولوك".. والجنون الذي تحول إلى سلاح
لم يكن هناك فن أشد تناقضاً مع الانضباط السوفيتي من لوحات الرسام الأمريكي "جاكسون بولوك" (Jackson Pollock) وزملائه مثل "مارك روثكو" و"ويليم دي كونينغ" لوحات بولوك الضخمة التي تعتمد على سكب الألوان وتطايرها بعشوائية طاغية (Action Painting)، كانت تمثل التمرد، العبث، والحيوية غير المقيدة.
رأت الاستخبارات الأمريكية أن هذه اللوحات هي الدعاية المثالية لـ "الحرية الأمريكية" فقامت الوكالة سراً بضخ ملايين الدولارات لتمويل معارض فنية ضخمة لهؤلاء الفنانين التجريديين لتجوب عواصم أوروبا بأكملها (مثل باريس ولندن)، لتكريس فكرة أن "الفن الحقيقي يزدهر فقط في الدول الديمقراطية الحرة".



لماذا التمويل السري؟ الطعنة من الداخل!
السؤال البديهي: لماذا موّلت الـ CIA هذا الفن سراً ومن تحت الطاولة؟
الإجابة مضحكة ومأساوية فالشعب الأمريكي آنذاك ومعظم السياسيين وحتى الرئيس الأمريكي (هاري ترومان)، كانوا يمقتون الفن التجريدي! بل إن ترومان صرح قائلاً: "إذا كان هذا فناً فأنا مجنون لم تكن الحكومة ترغب في أن يثور دافعو الضرائب لكون أموالهم تُنفق على "خربشات غير مفهومة"لذلك أسست الـ CIA مؤسسة وهمية ضخمة باسم (الكونغرس من أجل الحرية الثقافية) كواجهة مدنية أنيقة لتمرير هذا التمويل وإقامة المعارض.
الفنانون كانوا مجرد بيادق!
لفترة طويلة ظلت هذه القصة تُصنف كـ "نظرية مؤامرة يسارية" حتى عام 1995م عندما خرج ضابط سابق في الـ CIA يدعى"دونالد جيمسون" ليكسر جدار الصمت ويعترف رسمياً في مقابلة صحفية بصحة هذه العملية مؤكداً أن الفنانين أنفسهم (مثل بولوك وروثكو) لم يكن لديهم أدنى فكرة أن الاستخبارات هي التي تدعمهم وتلمع صيتهم عالمياً لضرب السوفييت!


