هناك فنون تُولد من رغبة في التعبير، وفنون تُولد من رغبة في البقاء، لكن (يارن بينتينغ) أو الرسم بالخيوط ينتمي إلى نوع ثالث… فن وُلد من الإيمان.
من شعور بأن العالم لا يُفهم بالعين وحدها، بل بالخيط الذي يمتد بين الإنسان والكون، وباللون الذي يحمل معنى أعمق من شكله.
في جبال المكسيك، لم تكن الخيوط عند الهويتشول مجرد مادة للحياكة بل وسيلة للتعبير عن رؤيتهم للعالم ولهذا تحوّل الرسم بالخيوط من حرفة بسيطة إلى طقس ديني
كان الفنان يجلس أمام اللوح ثم يغمض عينيه ليستدعي “الرؤية” تلك اللحظة التي يشعر فيها أن العالم الداخلي بدأ يتكلم.
وحين يفتح عينيه يبدأ الطقس الحقيقي:
الخيط الأول
اللون الأول
النية الأولى
… وكل ما يأتي بعدها هو رحلة.
لكن هذا الطقس لم يكن متاحًا للجميع كان يقوم به أشخاص يُسمَّون ماراكامي، وهم ليسوا فنانين بالمعنى الحديث ولا كهنة بالمعنى الديني بل وسطاء بين العالمين.
أناس يمتلكون حساسية خاصة قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون وعلى تحويل الرؤى الداخلية إلى خيوط تمتد فوق اللوح كأنها أثر حلم.
كانوا يُختارون لأنهم “رأوا” شيئًا "كالأحلام" أو لأن كبار السن شعروا أن لديهم تلك القدرة التي تجعل الخيط يستجيب لهم.
وحين يبدأ الماراكامي عمله لا يفعل ذلك ليُنتج لوحة تُعلَّق على جدار.
فاللوحة لم تكن تُصنع للعرض ولا للبيع ولا للزينة.
كانت تُصنع لتُقدَّم قربانًا لروح المطر حين تحتاج القرية الماء، أو لروح الشمس حين يطلبون الدفء، أو لروح الذرة حين ينتظرون الحصاد، أو لروح الأسلاف حين يبحثون عن الحماية.
كانت اللوحة تُرسم كقربان يحمل نية واضحة وتُقدَّم كطقس..

وهنا تأتي معاني الألوان التي لم تكن اختيارًا جماليًا بل لغة كاملة:
الأصفر شمس وحياة،
الأزرق ماء ومطر،
الأحمر دم وقوة،
الأخضر خصب ونمو،
الأسود حماية،
والأبيض طريق للرؤية.
الأيل الأزرق Kauyumari
ومن بين الرموز التي تتكرر في فن الهويتشول يبرز الأيل الأزرق Kauyumari وهو ليس حيوانًا عابرًا في الأسطورة بل الدليل الروحي الأول في رحلة الرؤية.
تروي تقاليد الوِكساريكا أنه الكائن الذي يقود الماراكامي إلى عالم الرؤى وإلى أرض Wirikuta " الأرض المقدّسة لشعب الوِكساريكا "
ولهذا يظهر دائمًا بلون ينتمي إلى العالم الأثيري الذي تعبره الروح في رحلتها نحو الرؤية. وفي كثير من لوحات الـ Nierika يقف الأيل الأزرق تحت الدائرة المقدّسة في الموضع الذي تبدأ منه رحلة الرؤية..



ثلاث مسميات… أصل واحد



وبهذا أصبح الفن الهويتشولي اليوم يحمل ثلاثة أسماء يجمعها خيط واحد يبدأ من الطقس وينتهي في الفن
تطوّر الـ Nierika
ومع مرور الزمن لم يبقَ الـ Nierika محصورًا في دوره الروحي.
فبينما حافظت بعض عائلات الهويتشول على شكله التقليدي اتجه الفنانون المعاصرون إلى تطويره بصريًا فظهرت أعمال بالخيوط وأخرى بالخرز، تحمل الرموز نفسها لكن بروح جديدة.
وهكذا أصبح الـ Nierika جسرًا بين الماضي والحداثة، بين القربان والفن، بين الطقس والمعرض.
ورغم أن الرسم بالخيوط خرج اليوم إلى المتاحف والأسواق إلا أن جذره الأول لم يختفِ.
فما زالت بعض عائلات الهويتشول تمارس هذا الفن كقربان في طقوسها الخاصة تحفظ به ما تبقّى من روح قديمة كانت ترى في اللوحة فعل إيمان قبل أن تكون عملًا فنيًا. <br

ما الذي يضيفه هذا الفن لوعينا الفني؟
يقدّم هذا الفن منظورًا مختلفًا لطبيعة العلاقة بين الإنسان والعمل الفني فهو يربط اللون بالنية، والمادة بالروح، ويحوّل اللوحة من شكل بصري إلى تجربة داخلية.
في فن الـ Yarn Painting يصبح العمل الفني طقسًا، ويصبح اللون معنى، ويصبح الرمز لغة، وتتحوّل اللوحة إلى فعل يحمل قصدًا وروحًا.
إنه نموذج يفتح أمام المتلقي طريقة جديدة لفهم الفن: فن يبدأ من الداخل، ويبحث عن المعنى، ويتجاوز الشكل إلى ما وراء الشكل.
وبذلك يقدّم مساحة للتأمل في أن العمل الفني يمكن أن يكون تجربة تُعاش، وأن الخيط قد يكون طريقًا، واللون قد يكون صلاة، واللوحة قد تكون جسرًا بين عالمين.













