دور الفن في إصلاح العلاقات

هناك علاقات لا تنكسر دفعة واحدة بل تتشقق ببطء
تبدأ من رسالة لم يُردّ عليها ومن كلمة قيلت بنبرة لم تكن مقصودة ومن مسافة صغيرة تكبر دون أن ينتبه أحد
ثم تتراكم الأشياء سوء فهم لم يُشرح عتب لم يُقل غياب طال أكثر مما يجب ولحظة احتاج فيها أحدهما إلى الآخر ولم يجده
وهكذا يتكوّن الشرخ الأول ثم يتسع
وفي بعض العلاقات لا يكون الفراق قرارًا بل نتيجة
نتيجة لتراكم الصمت ولحزن لم يجد من يسمعه ولخوف من فقدان شخص أصبح بعيدًا بالفعل
وهناك غياب لا يشبه الرحيل لكنه يترك نفس الفراغ
غياب صوت كان مألوفًا ووجود كان مطمئنًا وقرب لم يعد ممكنًا كما كان
وعندما تتشابك هذه المشاعر الغياب ,الفقد ,الفراق تصبح الكلمات عاجزة عن حملها
لا يعود الاعتذار كافيًا ولا الشرح مناسبًا ولا العودة سهلة
عندها يظهر الفن كمساحة أخيرة للبوح كجسر يمكن للقلب أن يعبره دون أن يتعثر
فاللوحة لا تطلب تفسيرًا ولا تنتظر ردًا لكنها تقول ما لا تستطيع اللغة قوله وتكشف ما بقي من العلاقة رغم كل ما ضاع
الفن لا يبرر ولا يشرح لكنه يكشف
يكشف ما نحاول إخفاءه ويمنح مشاعرنا شكلًا يمكن رؤيته شكلًا لا يهرب ولا يتردد
لهذا يلجأ البعض إلى الرسم حين يعجزون عن الحديث لأن الخط المرتبك يحمل خجلًا لا يمكن التعبير عنه واللون الدافئ يلمّح إلى رغبة في العودة والفراغات الصغيرة تكشف ما لم يُقل
اللوحة هنا ليست هدية إنها محاولة لإعادة بناء جسر انكسر دون ضجيج
وهناك لحظة خاصة لا تحدث إلا في هذا النوع من الأعمال
لحظة النظر إلى شخص غائب داخل اللوحة
وجه لا يظهر بوضوح لكنه حاضر في الإيماءة في الظل في انحناءة الضوء
هذا الوجه يلامس النفس بطريقة لا تستطيع الكلمات الوصول إليها كأنه استدعاء لشخص لم يعد هنا أو محاولة لإبقائه قريبًا رغم المسافة
الفنان يرسمه دون أن يرسمه يترك أثره كعلامة لا يراها إلا من يعرفه
أما اللوحات التي تُرسم كذكرى فهي ليست تسجيلًا للحظة بل محاولة لإيقاف الزمن
ليست صورة بل إحساس عاشه الفنان مع شخص ما إحساس يخشى أن يضيع
كأن العمل يقول هذه اللحظة كانت حقيقية وهذه أنت كما رأيتك لا كما رآك العالم
الذكرى هنا لا تُحفظ في إطار بل في طبقات من اللون تحمل أثرًا لا يزول
وأصعب الأدوار هو الوداع
هناك وداعات لا تُقال وجهًا لوجه ووداعات لا يملك أحد شجاعة نطقها
في هذه الحالات تصبح اللوحة رسالة أخيرة هادئة لا تطلب شيئًا ولا تنتظر شيئًا
وجودها يمنح الرحيل شكلًا يمكن احتماله ويترك خلفه أثرًا لا يختفي بسهولة
في النهاية يبقى الفن هو المساحة التي لا تخوننا
المكان الوحيد الذي يمكن أن نضع فيه ما تبقى منا دون خوف
فاللوحة لا تُعيد العلاقات كما كانت لكنها تكشف ما يستحق أن يبقى
وتمنح القلب فرصة ليرى نفسه بوضوح أكبر
وتمنح الآخر نافذة يرى من خلالها ما لم نستطع قوله
الفن لا يمنع الفراق ولا يوقف الغياب
لكنه يترك أثرًا يشبه يدًا تمتد من بعيد
أثرًا يقول إن العلاقة لم تكن عابرة
وإن الشعور كان حقيقيًا
وإن ما ضاع لم يختفِ تمامًا
ولهذا تبقى الأعمال التي تُرسم من أجل شخص واحد
أصدق من كل اللوحات التي تُعرض أمام العالم
لأنها لا تبحث عن إعجاب أحد
بل تبحث عن قلب واحد فقط
قلب كان يومًا قريبًا
وما زال يستحق أن نصل إليه ولو بخط من لون

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x