في عالم اعتدنا فيه أن يكون الصوت غير مرئي ظهر اتجاه فني وعلمي قلب هذه الفكرة رأسًا على عقب الرسم بالترددات أو ما يُعرف بـ Cymatics في هذا المجال لا يُكتفى بسماع الصوت بل يُرى لا يعود فهو ليس مجرد موجة عابرة بل يتحوّل إلى شكل إلى نمط إلى رسم حي يولد من الذبذبة نفسها
في أواخر القرن الثامن عشر أجرى الفيزيائي والموسيقي الألماني إرنست كلادني تجربة بسيطة رشّ الرمل على صفيحة معدنية ثم مرّر قوس كمان على حافتها فجأة بدأ الرمل يتوزع على السطح مشكّلًا أنماطًا هندسية دقيقة هذه الأشكال التي عُرفت لاحقًا باسم أشكال كلادني كانت أول دليل بصري على أن الصوت يترك أثرًا يمكن رؤيته


بعد قرنين تقريبًا أعاد الطبيب السويسري هانس جيني إحياء هذه التجارب وابتكر مصطلح Cymatics مستخدمًا تقنيات أكثر تطورًا لتسجيل الأنماط التي تُنتجها الترددات الصوتية على السوائل والمواد المختلفة في أعماله لم يكن الهدف علميًا فحسب بل جماليًا أيضًا فكل تردد يُنتج نمطًا فريدًا وكأن للصوت لغة سرّية تُكتب على سطح الماء أو الرمل

هذا التداخل بين العلم والفن ألهم فنانين معاصرين لتوسيع حدود التعبير البصري من أبرزهم ريوجي إيكيدا الفنان الياباني الذي حوّل الترددات والبيانات إلى خطوط ضوئية نابضة تُعرض في فضاءات مظلمة كأنها كواكب صوتية في أعماله مثل data scan و test pattern يُستخدم الصوت كمادة خام تُشكّل الفضاء البصري نفسه كل ذبذبة تُصبح خطًا كل تردد يُصبح وميضًا وكل صمت يُترجم إلى فراغ مشحون بالإحساس
كريستيان ماركلي من جهته استخدم أقراص الفينيل كأدوات للرسم ودمج بين الصوت والصورة عبر الكولاجات الصوتية والبصرية مما جعل الصوت يُنتج أثرًا بصريًا ملموسًا ويُعد لويجي روسولو من أوائل من أدخلوا الضجيج كعنصر فني عبر آلاته الصوتية التي أنتجت أصواتًا صناعية تُستخدم في الأداء واضعًا بذلك الأساس لفن الصوت
في معارض Cymatics المعاصرة يُمكن للمشاهد أن يرى الصوت وهو يُشكّل أنماطًا حيّة على سطح ماء يهتز أو على لوحٍ مغطى بالرمل أو حتى عبر إسقاطات ضوئية تتفاعل مع الموسيقى في الزمن الحقيقي هذه التجارب لا تُقدّم الصوت كموضوع بل كفعل كحركة كأثر وفي هذا السياق لا يعود الرسم فعلًا يدويًا بل يصبح نتيجة تفاعلية بين الصوت والمادة الفنان لا يرسم بفرشاة ولا يختار اللون إنما يختار الموجة واللوحة لا تُبنى من خيال إنما من فيزياء دقيقة تُحوّل اللامرئي إلى مرئي
في هذا النوع من الأعمال لا نرى ما نعرفه وإنما نواجه ما نشعر به
فهي لا تُخاطب العين وحدها وإنما تمتد إلى تلك المساحة الخفية بين الحواس حيث لا تسود الرؤية أو السمع ويتقدّم الشعور ويبدأ الفن الحقيقي
فهل يمكن أن يرسم الصوت بورتريه اليوم؟
وهل يمكن أن نرى أنفسنا من خلال ما نقوله لا من خلال ما نبدو عليه











