الرسم باليد الخاملة… تجربة تكشف ما لا تقوله المهارة

ما الذي يحدث للفنان حين يقرر أن يتخلى عن اليد التي عرفته طويلًا ؟
هل يتغيّر الخط فقط أم يتغيّر شيء أعمق… شيء يشبه إعادة ترتيب العلاقة بين الجسد والذاكرة؟
وماذا يعني أن يواجه الفنان الورقة بيد لا تحفظ مهارته ولا تعرف عاداته، ولا تملك أي يقين جاهز؟
هل يصبح الرسم أبطأ… أم أكثر صدقًا؟
وهل يمكن ليد جديدة أن تكشف ما كانت اليد القديمة تخفيه دون أن تشعر؟
حين يغيّر الفنان يده فهو لا يبدّل أداة بل يخرج من منطقة الأمان التي عاش فيها لسنوات اليد التي كانت تعرف الطريق وحدها تصبح فجأة غريبة، مترددة، كأنها تتعلم الرسم من جديد هنا يبدأ التحوّل الحقيقي الخط يفقد شكله المألوف، لكنه يكتسب حضورًا مختلفًا، حضورًا لا يعتمد على المهارة بل على الانتباه.
كل حركة تصبح فعلًا واعيًا، وكل ضربة فرشاة تحتاج إلى تفكير وكل خط يتحول إلى محاولة صادقة لفهم ما يحدث داخل الفنان قبل أن يظهر على الورق.

بيكاسو كان يدرك هذا تمامًا. كان يغيّر طريقته في الإمساك بالفرشاة عمدًا، لا لأنه فقد القدرة بل لأنه كان يخشى أن تتحوّل مهارته إلى سجن كان يربك يده ليوقظ عينه، ويعيد خلق المسافة بينه وبين اللوحة، وكأنه يرفض أن يسمح للعادة بأن تسبق الرؤية بالنسبة له اليد الجديدة لم تكن ضعفًا، بل وسيلة للهروب من التكرار وللدخول في منطقة لا يعرفها بعد .

وفي زمننا المعاصر تظهر تجربة مختلفة لكنها تحمل الروح نفسها الفنانة الهولندية راجاسينا، التي ترسم بيديها الاثنتين ورجليها الاثنتين في اللحظة نفسها ما تفعله ليس خدعة، بل نتيجة تدريب بدأ منذ طفولتها، حين كانت تتعلم الرسم والعزف معًا. هذا المزج بين الفن والموسيقى منحها قدرة استثنائية على تنسيق الحركة بين أطرافها الأربعة، حتى أصبح كل طرف يعمل كأداة مستقلة لها إيقاعها الخاص.
تجربتها تكشف أن الجسد ليس حدًا ثابتًا، بل مساحة يمكن توسيعها وإعادة تشكيلها، وأن الرؤية تنفتح كلما تجرّأ الفنان على كسر إيقاعه المعتاد.

الفنانه الهولندية اRajacenna

وتدريب اليد الخاملة ليس مجرد تمرين عضلي، بل فعل يعيد تشكيل الدماغ نفسه. فالعمل باليد غير المسيطرة يوقظ مسارات عصبية نائمة، ويجبر العقل على الخروج من آليته المعتادة. ومع كل محاولة، تتسع قدرة الدماغ على التركيز، ويزداد توازنه بين نصفيه، ويولد نوع من الانتباه العميق الذي لا تمنحه اليد المتمرسة. لهذا يصبح التدريب بيد جديدة أشبه بإعادة برمجة للرؤية، لا للحركة فقط.

الفنان الذي يغيّر يده يخسر شيئًا واحدًا فقط: الراحة.
لكنه يكسب ما هو أثمن بكثير: مساحة يرى فيها نفسه بلا حيل، بلا ذاكرة جاهزة، بلا الطرق المختصرة التي تخفي التعب. اليد الجديدة لا تمنحه السيطرة، بل تمنحه فرصة ليصغي إلى ما كان صامتًا، وليقترب من جوهر العمل دون أن يختبئ خلف مهارته.

وفي النهاية لا يعود السؤال: هل سينجح؟
بل يصبح: هل يجرؤ على الدخول في التجربة؟
لأن الفنان حين يغامر بيد جديدة لا يختبر قدرته على الرسم، بل يختبر قدرته على التغيير وما يكتشفه في تلك اللحظة قد يكون أهم بكثير مما كان يبحث عنه حين بدأ.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x