ألوان سلام جبار وأشعار بدر السيّاب

لوحة لا تُصوِّر مريضًا في غرفة النقاهة بل تُقيم طقس وداعٍ شعري بين الجسد الواهن واللغة التي لا تمرض.
من قفا بدر شاكر السيّاب، ذلك القفا الذي حمل أثقال المطر والمنفى والقصيدة نراه واقفًا بين سريرٍ أبيض يشبه الصمت وطاولةٍ تتكدّس عليها كتبه ودواوينه وقصائده تتطاير كما لو كانت أعضاءه البديلة قلبٌ من ورق، رئةٌ من استعارة وذاكرةٌ مربوطة بقصائد لا تقبل الغياب العصا في يده ليست عكازًا بل فاصلةٌ نحوية بين الألم والاستمرار.
الغرفة باردة بلونها الأزرق الطبي لون أموات المستشفى ولون حياة النهر والبحر الذي لاحق السيّاب في شعره لكن النافذة… النافذة ليست نافذة. إنها قصيدة مفتوحة.
هناك في الخارج تنفلت الخيول البيضاء المجنحة رموز الطهر الحرية والقصيدة الأولى تطير في غابةٍ خضراء كأن الطبيعة نفسها تقرأ له وتردّ عليه خيول ملائكية لا تمرض لا تموت، ولا تُغسل بمحاليل طبية خيول من مخيلة شاعر يعرف أن الجسد عابر، وأن الشعر وحده هو القادر على الجري بلا نهاية.
الأوراق المتطايرة في الهواء ليست روشتات علاج، بل مسودّات روح، أبيات لم تُكتب أو لم تنتهي بعد، ولربما كتبها وانفلتت من يده لتكمل حياتها بعيدًا عنه. حتى المحلول المعلّق على الجدار يبدو كأنه يحاول عبثًا أن يضخ الحياة في جسدٍ اكتفى بأن يعيش في اللغة والشعر والفن والأدب.
اللوحة، بقياسها الكبير (100 × 118 سم) إنتاج بداية هذا العام الجديد، تمنح السيّاب مساحة أخيرة ليقف: لا مواجهًا لنا، بل مدبرًا مودعًا مواجهًا مصيره الحتمي. ظهره لنا لأن الشاعر لا يشرح ألمه، بل يتركه يُرى.
إنها لوحة عن اللحظة التي ينتصر فيها جموح الخيال على وجع السرير، والنافذة المفتوحة على الجدار المغلق، والتعبير على المرض.
هنا، لا يموت بدر شاكر السيّاب… هنا فقط يعود قصيده إلى البرّ الأول، ويترك الجسد للحظة صمت أخيرة

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x