متحف الفن القبيح  MOBA

متحف الفن القبيح MOBA وهي اختصار لعبارة Museum of Bad Art هو واحد من أكثر المشاريع الفنية غرابة في الولايات المتحدة وربما في العالم كله نشأته لم تكن نتيجة رؤية جمالية واضحة أو مشروع مؤسسي مدروس بل جاءت من لحظة مصادفة خالصة حين عثر تاجر التحف سكوت ويلسون عام 1994 على لوحة زيتية مهملة في كومة قمامة بمدينة بوسطن كانت اللوحة تحمل عنواناً غير رسمي هو «لوسي في الحقل مع الزهور» وتبدو فيها امرأة بملامح مشوشة تقف وسط خلفية نباتية غير متناسقة لم يكن في اللوحة ما يشير إلى مهارة فنية بل كانت مثالاً واضحاً على العمل الذي حاول أن يكون جميلاً وفشل في ذلك ومع ذلك، كان في هذا الفشل شيء من الطرافة التي لفتت انتباه ويلسون فالتقط اللوحة وقرر أن يعرضها على صديقه جون رايلي.
حين رأى رايلي اللوحة لم يتعامل معها بوصفها عملاً يستحق السخرية فحسب بل وجد فيها مادة تستحق الاحتفاظ، فوضعها في إطار وعلّقها في قبو منزله لم يكن يدرك أن هذه الخطوة الصغيرة ستتحول لاحقاً إلى نواة مشروع متحف كامل استمر ويلسون في جلب أعمال أخرى من النوع نفسه كان يعثر عليها في أسواق السلع المستعملة أو على الأرصفة أو في مخازن الأشياء المتروكة ومع كل قطعة جديدة كانت الفكرة تتضح أكثر ليس الهدف جمع الفن الجميل بل جمع الفن الذي حاول أن يكون جميلاً ولم ينجح الفن الذي يكشف عن إخفاقه بوضوح لكنه يظل صادقاً في محاولته.
ومع مرور الوقت بدأ أصدقاء رايلي يزورون القبو بدافع الفضول ثم بدأ الزوار يتزايدون وتحول المكان إلى مساحة عرض غير رسمية. ومع تزايد الاهتمام، قرر رايلي وزوجته إطلاق اسم «متحف الفن الرديء» على هذه المجموعة في مفارقة تجمع بين الشكل المتحفي الرسمي والمحتوى الذي يناقضه تماماً وعندما تجاوزت المجموعة قدرة القبو على الاستيعاب انتقل العرض إلى الطابق السفلي لمسرح مجتمعي في ديدهام بولاية ماساتشوستس ثم توسع لاحقاً إلى صالات عرض أخرى في سومرفيل وبروكلين.
منذ ذلك الوقت أصبح المتحف مشروعاً ثقافياً قائماً بذاته يديره فريق من المتطوعين الذين يؤمنون بأن الفن الرديء يستحق مساحة خاصة به ليس لأنه يحمل قيمة جمالية بل لأنه يكشف جانباً مختلفاً من التجربة الفنية يجمع المتحف أفضل الأعمال الفنية التي «لا يمكن تجاهلها لشدة رداءتها» معتمداً على مفارقة تجمع بين الإطار المتحفي الرسمي والمحتوى الذي يناقضه تماماً وهو ما جعله يحظى باهتمام عالمي واسع تناولته صحف كبرى مثل نيويورك تايمز وكتب عنه باحثون من جامعة هارفارد واعتُبر مثالاً على كيفية تعامل الثقافة الشعبية مع مفهوم الفن كما أصدر المتحف كتابين يوثقان أبرز مقتنياته أحدهما بعنوان «فن رديء لدرجة لا يمكن تجاهله» والآخر بعنوان "روائع فنية"
آلية اختيار الأعمال في المتحف تعتمد على الترشيحات التي يرسلها الجمهور يتلقى المتحف عشرات الطلبات شهرياً لكن القائمين عليه لا يقبلون إلا الأعمال التي تحقق شرطاً أساسياً أن تكون محاولة جادة للتعبير الفني انتهت بنتيجة رديئة بشكل واضح الأعمال المصنوعة عمداً للسخرية تُرفض فوراً لأن المتحف لا يهتم بالفكاهة المصطنعة بل بالفشل الصادق يشترط القائمون على المتحف أن يكون الفنان قد حاول فعلاً إنتاج عمل فني وأن يكون الإخفاق جزءاً من العملية وليس هدفاً بحد ذاته بعد قبول العمل يُعاد تأطيره ويُمنح عنواناً جديداً ثم يُكتب له تفسير ساخر يعلّق على عناصره الفنية بطريقة تجمع بين التحليل والهزل.
من بين القصص اللافتة في تاريخ المتحف قصة لوحة «كان صديقاً لي» للفنان الغامض جاك أوين عُثر على اللوحة في متجر محلي للأغراض المستعملة ثم تواصل رجل مع المتحف ليكشف أن والده كان قد صادق رجلاً مشرداً يُدعى جاك وأهداه أدوات فنية فبدأ جاك يرسم ويوقع اللوحات باسم أوين تقديراً له بعد وفاة الرجل العجوز وجد ابنه مجموعة من هذه اللوحات في العلية وتبرع بها للمتجر هذه القصةرغم بساطتها، تكشف طبيعة الأعمال التي يستقبلها المتحف أعمال ناتجة عن محاولات صادقة لكنها تفتقر إلى المهارة وتتحول إلى مادة للعرض بسبب غرابتها.
مارك فرانك أحد المتطوعين الأوائل يشغل اليوم منصب رئيس الأمناء وهو يؤكد دائماً أن الفن الرديء يتطلب جهداً لا يقل عن الجهد المبذول في الفن الجيد وأن ما يميز هذه الأعمال هو أنها تكشف عن نية الفنان بوضوح حتى لو كانت النتيجة بعيدة عن الإتقان يرى فرانك أن المتحف يقدم مساحة يستطيع فيها الجمهور تقدير العمل الفني دون الحاجة إلى معرفة تاريخ الفن أو فهم المدارس الفنية هنا لا يحتاج الزائر إلى تفسير معقد بل يكفي أن يرى العمل كما هو وأن يتفاعل معه بطريقته الخاصة.
ورغم أن المتحف لا يتتبع أعداد الزوار بدقة إلا أن التقديرات تشير إلى أنه يجذب آلاف الأشخاص سنوياً إضافة إلى عشرات الآلاف من المتابعين عبر الإنترنت هذا الحضور المستمر يؤكد أن الفكرة رغم طابعها الساخر تحمل جاذبية حقيقية فالمتحف لا ينافس المؤسسات الفنية الكبرى ولا يدّعي تقديم بديل لها بل يقدم تجربة مختلفة تماماً، تجربة تقوم على المفارقة والمرح وتسمح للجمهور بالنظر إلى الفن من زاوية غير مألوفة.
اليوم لم يعد المتحف مرتبطاً بمقر ثابت كما كان في بداياته بل يعمل من خلال معارض متنقلة وحضور رقمي واسع مما يمنحه مرونة أكبر في الوصول إلى جمهور متنوع ومع ذلك ما زالت «لوسي في الحقل مع الزهور» تُعرض بوصفها العمل الذي بدأ كل شيء وكأنها حجر الأساس الذي بُني عليه هذا المشروع الغريب اللوحة التي كانت في الأصل مجرد قطعة مهملة في كومة قمامة أصبحت رمزاً لمتحف كامل ومثالاً على كيف يمكن للصدفة أن تتحول إلى فكرة ثقافية مستمرة.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x