كمالا إبراهيم إسحاق | السودان

وُلدت كمالا إبراهيم إسحاق عام 1939 في أم درمان في مرحلة كان فيها المشهد التشكيلي السوداني يبحث عن ملامحه الأولى اختارت دراسة الفن في وقت لم يكن حضور المرأة فيه مألوفاً فالتحقت بمعهد الخرطوم التقني ثم بكلية الفنون الجميلة وتخرّجت عام 1963 ضمن أوائل الفنانات السودانيات اللواتي حصلن على تعليم أكاديمي في هذا المجال. هذا التأسيس المبكر منحها قاعدة تقنية راسخة، وفتح أمامها المجال لتطوير رؤية شخصية تتجاوز حدود المناهج التقليدية.
بعد تخرجها سافرت إلى لندن لمتابعة دراستها العليا في الكلية الملكية للفنون بين عامي 1964 و1966، وهي مرحلة شكّلت منعطفاً مهماً في تجربتها. هناك اطّلعت على التيارات الحديثة في الرسم والطباعة، وتعرّفت على أساليب جديدة في التفكير البصري، فعادت إلى السودان وهي تحمل منظوراً أكثر اتساعاً، منظوراً يربط بين المهارة التقنية والبحث الداخلي عن معنى الصورة.
بدأت مسيرتها المهنية بالتدريس في معهد الخرطوم التقني وسرعان ما أصبحت من الأصوات المؤثرة في تطوير التعليم الفني كانت شخصية تفتح النقاش حول دور الفن وتشجّع طلابها على التفكير خارج الصندوق وفي عام 1978 تولّت رئاسة قسم الرسم وهو موقع أتاح لها التأثير في جيل كامل من الفنانين الذين وجدوا في حضورها نموذجاً يجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الإبداعية.
في بداية السبعينيات شاركت في تأسيس جماعة الكريستاليين مع محمد حميد شداد ونايلة الطيب وهي جماعة سعت إلى إعادة التفكير في الفن السوداني من منظور أكثر شفافية وانفتاحاً لم يكن هدفها رفض الماضي بل اقتراح رؤية جديدة تتعامل مع الصورة بوصفها مساحة للتأمل والتجريب انعكس هذا التوجه في أعمال كمالا التي اتسمت بخطوط حرة وألوان خفيفة ووجوه تحمل أثراً داخلياً يتجاوز الملامح الخارجية في محاولة لخلق لغة بصرية تستند إلى الحساسية الفردية أكثر من اعتمادها على الرموز الجاهزة.
تجربتها لم تقتصر على إنتاج أعمال فنية بل امتدت إلى تشكيل الوعي البصري في السودان فقد أسهمت في بناء حركة فنية جديدة وشاركت في تعليم أجيال كاملة وواصلت العمل لأكثر من ستة عقود عُرضت أعمالها في مؤسسات دولية، وتُقرأ اليوم ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود السودان لأنها تمثل تجربة تجمع بين التراث المحلي والرؤية المفاهيمية الحديثة وتكشف عن قدرة الفنان على إعادة صياغة العلاقة بين الذات والرمز.
كمالا إبراهيم إسحاق ليست مجرد فنانة بل مسار طويل من البحث في الصورة وفي الطريقة التي يمكن للفن أن يكشف بها طبقات لا تقولها اللغة حضورها في المشهد السوداني والأفريقي يؤكد أن تجربتها جزء من التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل الفن في المنطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وأن أثرها ظل ممتداً عبر الأجيال التي واصلت البناء على الأسئلة التي طرحتها في أعمالها وتعليمها وممارستها اليومية للفن.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x