المعركة الفنية الأكثر إثراءً: بيكاسو وماتيس... حوار بالألوان والأشكال
من بين جميع الحوارات الفنية في القرن العشرين يبقى الحوار - أو ما أُطلق عليه "المعركة" - بين بابلو بيكاسو وهنري ماتيس الأكثر تأثيرًا وإشعاعًا لم تكن هذه معركة بالمعنى التقليدي بل كانت منافسة فكرية وإبداعية عميقة حَدَت كلا العملاقين إلى حدود جديدة لم يكونا ليجروؤا على تجاوزها لولا وجود الآخر.
بداية اللقاء: صدمة الاختلاف
التقى بيكاسو الشاب (21 عامًا) وماتيس الأكبر منه (36 عامًا) لأول مرة في صالون جرترود شتاين الباريسي عام 1906 كان اللقاء صادمًا لكليهما بيكاسو ابن التكعيبية القادم كان يركز على البناء الشكلي والهندسة بينما ماتيس زعيم الوحوشية كان كاهن اللون والانفعال العاطفي قالت جرترود شتاين لاحقًا: "كانا مثل قطبي المغناطيس متعاكسين ولكنهما يجذبان بعضهما".
المنافسة على اللوحة الواحدة: "آنسات أفينيون" كإعلان حرب
في صيف 1907، أنهى بيكاسو لوحته الثورية "آنسات أفينيون" التي اعتبرت زلزالًا في تاريخ الفن عندما رآها ماتيس لأول مرة، غضب ورأى فيها سخرية من كل ما يؤمن به: الفن كمتعة بصرية وانسجام. وصفها بأنها "سخافة" واعتبر أن بيكاسو يحاول تدمير الفن الحديث لكن ردة فعله العاطفية هذه كشفت عن شيء عميق: لقد شعر ماتيس أن لوحة بيكاسو كانت تحدياً مباشراً لفنّه.
الرد الفني:
ردّ ماتيس بلوحة في عام 1908 رسم "الرقصة" و"التناغم في الأحمر" حيث ضاعف من جرأة الألوان وتبسيط الأشكال فبرأيه "إذا كان بيكاسو يرسم بالأجساد المشوهة فهو سيثبت أن الجمال واللون يمكن أن يكونا ثوريين بنفس القدر".
التبادل الخفي: سرقة الأفكار ببراءة
بدأ الثنائي في مراقبة بعضهما البعض عن كثب في عام 1912 بعد أن زار ماتيس معرض الفن الإسلامي في ميونيخ وأذهلته الزخارف والأنماط، رسم لوحات مليئة بالأنماط الزخرفية بعد أشهر فقط، ظهرت الزخارف الإسلامية بوضوح في لوحات بيكاسو التكعيبية بالمقابل عندما رسم ماتيس "النافذة المفتوحة" بمشهد بحري مبهرج ظهرت نوافذ مماثلة في استوديو بيكاسو في لوحاته.
التحول الكبير: عندما استعار كل منهما روح الآخر
في العشرينيات حدثت مفارقة عظيمة: بدأ بيكاسو سيد الخط والهندسة يرسم لوحات غنية بالألوان تشبه ماتيس بينما بدأ ماتيس سيد اللون يركز على الخط والنقاء الشكلي الذي يشبه بيكاسو في لوحة "الراقصات" (1925) لماتيس نرى تبسيطاً شكلياً يكاد يكون تكعيبيًا، بينما في بورتريهات بيكاسو من تلك الفترة، نرى ألوانًا ماتيسية صريحة.
الرسائل: احترام يكشفه المراسلة
رغم ندرة لقاءاتهما المباشرة كانت المراسلات بينهما تكشف عن احترام عميق كتب ماتيس إلى بيكاسو عام 1931 "يجب أن نتمكن من التحدث أكثر هناك فقط عدد قليل من الأشخاص الذين يمكن للمرء مناقشة الأمور معهم" ورد بيكاسو في مناسبة أخرى: "ماتيس هو الوحيد الذي يعرف حقًا ما هو اللون".
جرترود شتاين الصديقة المشتركة
كانت جرترود شتاين صديقة مقرّبة لكلٍّ من بيكاسو وماتيس وواحدة من أهم الأصوات التي رافقت صعودهما في باريس.
وعندما رسم بيكاسو بورتريهها الشهير عام 1906 أثار العمل نقاشًا بينهما فماتيس رغم احترامه لشتاين،لم يُخفِ انطباعه بأن اللوحة تحمل صرامة وقسوة في البناء أكثر مما يراه مناسبًا لشخصيتها.
لم يقل ذلك في جملة مباشرة لكنه لمّح إليه من خلال تعليقاته العامة على أسلوب بيكاسو في تلك الفترة، حيث كان يرى أن بيكاسو يميل إلى تشديد الخطوط وتثخين البنية على حساب الليونة.
أما شتاين نفسها فكانت تقول إن البورتريه “يشبه حقيقتي” وهو ما جعل اللوحة نقطة حوار مستمر بين الفنانين حول معنى الشبه والجوهر في البورتريه.
سنوات الحرب العالمية الثانية: الاختبار الأخلاقي
خلال الاحتلال النازي لباريس، بقي بيكاسو في باريس (غير مضطهد لكونه إسبانيًا)، بينما بقي ماتيس في نيس في هذه الفترة الصعبة، أصبحت رسائلهما أكثر دفئاً، وكأن الخطر الخارجي حول المنافسة إلى تحالف.
الوداع الأخير: عندما توقف الحوار
في سنوات ماتيس الأخيرة بينما كان طريح الفراش بدأ يرسم بقص الورق (cut-outs). عندما رأى بيكاسو بعض هذه الأعمال، قال: "ماتيس اخترع التوقيع" عند وفاة ماتيس عام 1954 زار بيكاسو مرسم صديقه ومنافسه القديم واشترى بيكاسو لوحة ماتيس "بورتريه مدام ماتيس" (1913) وعلقها في مرسمه حيث بقيت حتى وفاته.
الإرث: معركة أنتجت فنين عظيمين
كانت "المعركة" بين بيكاسو وماتيس مثالاً نادراً على كيف يمكن للمنافسة أن تكون مصدر إثراء وليس تدميرًا كل لوحة كان يرسمها أحدهما كانت إجابة على سؤال طرحه الآخر ماتيس حرر اللون، وبيكاسو حرر الشكل ومعاً حررا الفن الحديث من قيوده.

