Metallic Oxidation Art اللوحة التي لا تنتهي

في مشهد الفن المعاصر، بدأ شيء يشبه تمردٍ هادئ على افتراضاتٍ عريقة: أنَّ اللون مادة جاهزة يطبَعها الفنان على سطح ثابت؛ وأنّ اللوحة لحظةٌ منتهية تنتظر التقدير. في أطراف هذا التمرّد، ظهرت تجارب فنية تستبدل الصبغات الجاهزة بمادةٍ «حية» — الصدأ — تُولد اللون عبر زمنٍ كيميائي، وتحوّل اللوحة من فعلٍ فوري إلى عملية زمنية تُشاهَد.
الصّدأ هنا لا يُعامل كعطلٍ أو تلف. بل يُستدعى، يُوجَّه، يُراقَب. بعض الفنانين يرفضون حصر العمل الفني في لحظة الانتهاء التقليدية؛ يريدون أن تواصل اللوحة «التكلّم» بعد خروج الفنان من الاستديو. في أعمالٍ مثل سلسلة Rust-Stain، يصبح القماش وسيلةً لاستقبال عمليةٍ خارجية: تُغلف قطع معدن مبلّلة بالقماش، أو تُترك الأملاح لتتفاعل، فتنتج علامات وآثارًا غير مسبوقة — لوحات «تلوّن نفسها» من الداخل إلى الخارج، وتنافح عن مكانها ككيانات متحوّلة.
هذه النقلة الفكرية لها جانب بصري واضح: الفرق بين لونٍ مُطبّقٍ بحسب نية الفنان، ولونٍ يَنبَع تدريجيًا من تفاعل مادّي مع السطح والوقت. الأوّل قائم على السيطرة، والثاني قائم على شراكة مع المادة. إذن: هل ما زال الفنان هو الكلّي في تشكيل العمل؟ أم صار شريكًا مع قوةٍ ماديةٍ ذات إيقاع خاص؟ الإجابة تتبدّى في الشكل النهائي — وفي الطريقة التي يقرأ بها المشاهدُ الزمنَ داخل اللوحة.

التاريخ العملي لهذا التوجه ليس مدرسة مُسجلة في صفحات المناهج، لكنه يمتدّ عبر استعمالاتٍ صناعية وفنية متباينة: من نحت الفولاذ المطوَّع (مثل استخدام فنّاني الصلب المقاوم للطقس Cor-Ten الذي يُطوّر صدأً مرغوبًا) إلى تركيب الأعمال التي تستدعي صدأ المعادن كمكوّنٍ بصري ورمزي. فمثلاً، اعتماد فنّانين على صفائح COR-TEN جعل مفهوم «البطانة الصدئة» جزءًا من لغتهم التركيبية، وجعل المشي بين منحوتات فولاذية صدئة تجربة بصرية وزمنية بامتياز.
لكن ثمة فنانون اتخذوا مسارات أقرب إلى «التلوين الحي»: في أوروبا وأمريكا، مارَس بعض الرسّامين تجربة السماح لأكسدة المعادن أن تلوّن القماش مباشرة، أو أن تُستخدم كـ «صبغةٍ ناتجة» تولد ألوانًا لا يمكن التنبؤ بها تمامًا إلّا بشروط بيئية دقيقة — رطوبة، تداخل أملاح، حرارة، زمن. هذا ما نراه في أعمالٍ تجريبية تؤكد أن اللوحة لم تعد ثابتة، بل «كائنٌ يختزل وقتًا» ويستدعي وصايةً جديدة: وصاية الرعاية والمراقبة، لا فقط التشكيل والإضافة.
من الناحية الرمزية، الصدأ يحمِل دلالاتٍ قوية: التحلل والذاكرة وعبور الزمن. لكن الاستخدام الفني يحوّل هذه الدلالات إلى أدوات إبداعية: الصدأ يصبح «جلدًا» يُظهر تاريخ المادة، ويتيح للمشاهد قراءة الزمن كطبقات لونية ونسيجية. هنا يكمن السحر — وفي الوقت نفسه التحدّي: كيف تُحافظ المؤسسات (معارض، متاحف، جامِعات) على عملٍ يتغيّر طبيعيًا؟ هذا سؤالٌ يؤثر في قرار اعتبار العمل «نهائيًا» أم «قابلًا للمراقبة».

في الوعي البصري العام، غالبًا ما يُستدعى تمثال الحرية بوصفه المثال الأشهر لتحوّل المعدن مع الزمن، غير أن هذا التحوّل — على جماله — لا ينتمي إلى مفهوم «الصدأ» بالمعنى الفني الدقيق. فالتمثال مصنوع من النحاس، وما يكسوه اليوم ليس صدأً حديديًا، بل طبقة أكسدة خضراء (Patina) تشكّلت طبيعيًا عبر عقود من التعرّض للهواء والرطوبة. هنا لم يكن التحوّل جزءًا من الفكرة الأصلية، بل نتيجة لاحقة فرضها الزمن على المادة.
أما في تماثيل الصدأ المعاصرة، فالأمر مختلف جذريًا. ففي أعمال فنانين مثل ريتشارد سيرا، وأنتوني غورملي، وإدواردو تشيّليدا، لا يظهر الصدأ بوصفه عارضًا طارئًا، بل بوصفه بنية العمل نفسه. التمثال يُصمَّم منذ البداية ليصدأ، وليتغيّر لونه، وليتفاعل مع الهواء والمطر والملوحة والحرارة. هنا يصبح الزمن مادة من مواد التشكيل، لا مجرد شاهد صامت على مرور السنوات.
إذا كان تمثال الحرية قد صار أخضر بفعل الزمن، فإن تماثيل الصدأ المعاصرة تُولَد منذ البداية وهي تحمل الزمن في بنيتها. هي لا تنتظر التآكل… بل تستدعيه، وتحوّله من علامة فناء إلى قيمة تشكيلية. في هذه النقلة بالذات، ينتقل الفن من تمثيل التحوّل إلى ممارسته فعليًا، ومن تسجيل مرور الوقت إلى جعله شريكًا في البناء الجمالي.

وهكذا لا يعود الصدأ مجرد أثر بصري، بل يصبح فعلًا فلسفيًا: إعلانًا ضمنيًا بأن العمل الفني لم يعد كيانًا مكتملًا عند لحظة العرض، بل كائنًا مفتوحًا على التغيّر، واللايقين، والاستمرار.
خاتمة: في تجربة الصدأ، لا يعود اللون وعدًا بالكمال، بل شهادةً على التحوّل. هنا لا تُقاس اللوحة بما انتهت إليه، بل بما مرّت به. إنّها تُعلّمنا أن الجمال ليس في الثبات، بل في الأثر؛ وليس في النقاء، بل في التبدّل. وحين يصبح الزمن شريكًا في التكوين، ويغدو التآكل لغةً بصرية، يدرك المتلقي أن الفن لم يعد تمثيلًا للعالم، بل مشاركةً في قوانينه. عندها فقط يتحوّل الصدأ من علامة فناء… إلى كتابة حيّة للوجود.

0 0 votes
تقييم المادة
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
error: Content is protected !!
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x