تأثيرات علمية وتطبيقات متعددة"
فن الكومكس هو شكل من أشكال التعبير الفني الذي يجمع بين الرسم والنصوص لخلق سرد قصصي مبتكر.
يتميز بالكثير من الحركات والصور التوضيحية التي تخلق تفاعلًا بين الشخصيات والأحداث التي يتم سردها وغالبًا ما تكون هذه القصص ذات طابع فكاهي أو مغامراتية.
تطورت الكومكس عبر الزمن ليشمل العديد من الأنماط مثل الكومكس اليومية أو القصص المصورة التي تصدر في مجلات أو كتب مصورة الكومكس يستخدم أسلوبًا بصريًا يعتمد على التنقل بين اللوحات أو الفقاعات النصية التي تحتوي على حوارات أو أفكار الشخصيات.
يمكن أن تكون الكومكس موجهة للبالغين أو للأطفال ويعكس هذا التنوع في المواضيع والمحتوى. إذا أردنا النظر إلى الفن الكوميك من زاوية نقدية فإننا نجد أن استخدامه لأسلوب تفاعل النص والصورة يمكن أن يخلق طبقات متعددة من المعنى التي قد لا تظهر في النص وحده أو في الصورة بمفردها.
التوازن بين الصورة والنص يتطلب مهارة خاصة إذ أن النص يجب أن يكون مكملًا للصورة وليس مجرد توضيح لها.
النقد يبرز أيضًا أهمية الكومكس كوسيلة لطرح قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية عبر شخصيات وأحداث خيالية تسلط الضوء على جوانب الحياة اليومية.
فن الكومكس من منظور علمي يمكن دراسته من خلال عدة مجالات تشمل الفنون البصرية علم النفس وعلم السرد إليك بعض المعلومات العلمية التي تتعلق بفن الكومكس:
-
علم الأعصاب: تأثير الكومكس على الدماغ
النشاط العصبي : أظهرت الدراسات أن الدماغ يعالج الصور والنصوص بشكل مختلف عن معالجة الكلمات وحدها. الكومكس تجمع بين العناصر البصرية واللغوية، ما يثير نشاطًا في مناطق الدماغ المسؤولة عن الفهم اللغوي (مثل القشرة الجدارية) والمناطق البصرية (مثل القشرة البصرية).
تفسير السرد القصصي: عندما نقرأ كومكس، يتفاعل دماغنا مع تدفق المعلومات بين النص والصورة. هذا الدمج يساعد في تسريع عملية الفهم واستيعاب الأحداث المعقدة بشكل أسرع مقارنةً بالقراءة النصية البحتة.
- علم النفس: تأثير الكومكس على الإدراك والخيال
التفاعل مع الصورة : الكومكس تساعد في تحسين الإدراك البصري والخيال لدى الأفراد. الصور تساهم في تنشيط الخيال وتقديم أسلوب فني مبسط لعرض الأحداث المعقدة. الأشخاص الذين يقرأون الكومكس يمكنهم تصور الأحداث والمواقف بشكل أكثر وضوحًا.
القراءة التفاعلية: الكومكس تعتمد على “القراءة التفاعلية”، حيث يتفاعل القارئ مع كل لوحة وصورة وحوار. هذا التفاعل يعزز من فهم الشخصيات والنظريات النفسية المرتبطة بهم.
- دراسات السرد: الكومكس كسرد بصري
مفهوم “التخطيطي الزمني” (Chronotopia): في الكومكس، يتحكم الزمن والمسافة بين اللوحات في سرد القصة. على عكس الأدب التقليدي، حيث الزمن يتبع ترتيبًا خطيًا، الكومكس يمكن أن تقدم قصصًا غير خطية أو معقدة باستخدام تداخل الزمن بين الفقاعات والصور. هذه الطريقة تعزز من قدرة السرد البصري على التفاعل مع الحواس المختلفة.
التأثير على السرد العاطفي: النصوص المصاحبة للصور في الكومكس يمكن أن تضيف طبقات من المعنى العاطفي، مما يعزز التأثير العاطفي للقصة. حركة الشخصيات، تعابير الوجوه، وحتى حجم الصور، كلها تلعب دورًا في تشكيل الاستجابة العاطفية للقارئ.
4.الأنثروبولوجيا: تأثير الكومكس على الثقافة
التعبير الثقافي: الكومكس تحمل رسائل ثقافية واجتماعية يمكن أن تعكس قضايا المجتمع والأيديولوجيات السائدة. من خلال الشخصيات الخيالية، يمكن للكومكس أن تتناول قضايا مثل العدالة، الهوية، أو التغيير الاجتماعي.
التفاعل الثقافي: بعض أنواع الكومكس تحمل رموزًا أو إشارات ثقافية قد تكون مفهومة فقط في سياق اجتماعي معين، مما يجعلها أداة فعالة للتعبير عن قضايا محلية أو تاريخية.
- الكومكس كأداة تعليمية:
التعلم البصري: تُستخدم الكومكس في العديد من المجالات التعليمية لتحفيز الفهم السريع للمواضيع المعقدة. على سبيل المثال، تُستخدم الكومكس في تدريس الرياضيات أو العلوم لتوضيح المفاهيم بطريقة مرئية تجعل التعلم أكثر تفاعلًا.
التعلم عبر القصص: قصص الكومكس تقدم السياقات التي يمكن من خلالها ربط المعرفة بالمواقف الحياتية، مما يسهل على الطلاب فهم المعلومات وتذكرها بشكل أفضل.
- الكومكس في الطب وعلاج الأمراض النفسية :
استخدام الكومكس في علاج الأطفال: تم استخدام الكومكس في العلاج النفسي للأطفال، خاصة في الحالات التي تتطلب تدخلًا لتشجيع التعبير العاطفي والتواصل. الكومكس يمكن أن تساعد الأطفال في استكشاف المشاعر أو التعامل مع القضايا النفسية مثل القلق أو الاكتئاب.
علاج بالقصص المصورة**: تستخدم بعض العيادات النفسية الكومكس كجزء من العلاج السلوكي المعرفي لمساعدة المرضى على إدراك أفكارهم ومشاعرهم بطرق غير تهديدية.
تاريخ الكومكس طويل ومعقد، وهو يعكس تطور الفنون البصرية والسرد القصصي عبر العصور إليك نظرة عامة على أبرز المحطات في تطور فن الكومكس:
- البدايات القديمة
الرسوم الجدارية القديمة : يمكن تتبع جذور فن الكومكس إلى الرسوم الجدارية المصرية والرومانية التي استخدمت الصور لرواية القصص، مثل تلك الموجودة في مقابر الفراعنة أو النقوش في المعابد الرومانية.
التماثيل والفنون البصرية القديمة: في ثقافات أخرى، مثل اليونان القديمة، كانت الصور تستخدم لنقل رسائل أو سرد أحداث تاريخية عبر الميمات والتماثيل.
- الكومكس في العصور الوسطى
التصوير في الكتب : خلال العصور الوسطى كانت الكتب المزخرفة والمخطوطات تحتوي على صور توضيحية، مثل تلك التي كانت تظهر في “الإنجيل المصور” والقصص الدينية. كانت هذه الصور تساعد في فهم القصص الدينية التي كانت تُروى شفويًا أو مكتوبًا.
- القرن 19: نشأة الكومكس الحديثة
الصحافة والرسوم الهزلية: في القرن 19 ظهرت أولى الصحف والمجلات التي ضمت رسومات هزلية مصورة. كان هذا بداية العصر الحديث لفن الكومكس. من أبرز الأمثلة كان ظهور The Adventures of Obadiah Oldbuck” عام 1837 والتي تُعتبر واحدة من أولى القصص المصورة الحديثة.
أول الرسوم الهزلية في الصحف: في أواخر القرن 19 بدأ الصحفيون في الولايات المتحدة وأوروبا بنشر الرسوم الهزلية في الصحف اليومية. على سبيل المثال، ظهرت شخصية “The Yellow Kid”في عام 1895 في صحيفة “New York World” والتي تعتبر واحدة من أولى شخصيات الكومكس الشعبية.
- القرن 20: عصر الكومكس الذهبي
ظهور الأبطال الخارقين: في عشرينيات وثلاثينيات القرن 20، ظهر نوع جديد من الكومكس: الكومكس البطولية. بداية مع شخصيات مثل “Superman” و”Batman” في عام 1938 و1939، بدأت الكومكس تحقق شهرة واسعة بين الأطفال والشباب.
عصر “الكومكس الذهبي”: في الأربعينيات والخمسينيات أصبحت شخصيات مثل “Wonder Woman” و”Captain America” رموزًا ثقافية في أمريكا هذا العصر يعتبر العصر الذهبي للكومكس الأمريكي حيث أصبحت الكومكس جزءًا أساسيًا من الثقافة الشعبية.
ظهور الكومكس في أوروبا: في أوروبا نشأت أيضًا شخصيات كومكس شهيرة مثل “Tintin” و”Asterix” في بلجيكا وفرنسا. وكانت هذه الشخصيات تقدم قصصًا مغامراتية مليئة بالذكاء والفكاهة.
- الستينيات والسبعينيات: التوسع والابتكار
الكومكس المعقدة: في الستينيات والسبعينيات بدأ الكتاب والفنانون في تقديم كومكس أكثر نضجًا وتعقيدًا تغطي قضايا اجتماعية، سياسية، وثقافية. X-Men” و”The Watchmen” كانت أمثلة على هذا التحول حيث تم دمج الموضوعات المعقدة مثل التمييز العنصري، الحقوق المدنية والحروب.
ظهور الكومكس المستقلة: في نفس الفترة ظهرت حركة الكومكس المستقلة (Indie Comics) والتي تقدم موضوعات غير تقليدية وتحمل أسلوبًا فنيًا مختلفًا.
- الثمانينيات والتسعينيات: تطور النضج
الكومكس في مجالات مختلفة: في هذه الفترة توسعت الكومكس لتشمل مجالات مثل الرسوم البيانية (Graphic Novels). من أشهر الأعمال التي ظهرت في هذا الوقت كانت “Maus (1980s) وهي قصة عن الهولوكوست والتي فازت بجائزة بوليتزر.
التوسع في الأسلوب الفني : تزايد الاهتمام بالكومكس كثقافة فنية حقيقية حيث أصبح هناك تنوع أكبر في الأسلوب والتقنيات المستخدمة، وأصبحت تُعرض في المعارض الفنية والمهرجانات.
- القرن 21: العصر الرقمي والإنتاج المستقل
منذ أن ظهرت رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ في نسخة الكوميكس منذ عام، والجدل لا يتوقف حول هذا الفن بين القراء والنقاد، حيث يتساءل البعض: هل يجوز تحويل أعمال كاتب كبير بحجم ومكانة نجيب محفوظ إلى كوميكس؟ وهل يمثل هذا التحويل إضافة حقيقية لمنجز محفوظ الأدبي أم إساءة لقيمته ورمزيته الأدبية؟ وفي هذا السياق أصدرت هذه الأيام دار المحروسة ودار ديوان التجربة الثانية لنسخة الكوميكس من أعمال نجيب محفوظ لرواية “ميرامار” مما أعاد موجة الجدل من جديد وذلك بسبب سوء الفهم نفسه لطبيعة هذا الفن المصنف ضمن ما يعرف بـ”الفن التاسع”.
يرى البعض أن هذا الفن وليد المجلات الأوروبية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر أو المجلات الأميركية خلال القرن ذاته كما يذهب بعض آخر إلى محاولة تأصيله تاريخيا بالعودة إلى قدماء المصريين نظرا إلى ما عثر عليه من صور متسلسلة على القبور أو على أوراق الباردي تحكي قصصا متتالية لن نخوض الآن في تاريخ هذا الفن بل سننظر إلى واقعه اليوم في عالمنا العربي والعالم، وأبرز التحديات والعوائق التي تعترضه وأولها معضلة التلقي أو سوء فهم طبيعة هذا الفن.
يصف الناقد والمنظر الأميركي سكوت ماكلاود هذا الفن بالفن اللامرئي ولقد اختار هذه العبارة عنوانا لكتابه حول “فن الكوميكس” لأنه فن يعيش ويتطور في ظل تجاهل من المؤسسة النقدية والفنية وهو يعيش بجماهيره التي لا تعبأ بذلك التجاهل الرسمي المؤسساتي.
علاوة على ذلك أصبح هناك تزايد في تمثيل الشخصيات المتنوعة ثقافيًا وجنسيًا.
الكومكس كأداة تعليمية وثقافية : بدأ الاهتمام بالكومكس في المجتمعات الأكاديمية والثقافية كوسيلة للتعبير عن قضايا معاصرة حيث يتم استخدامها في التعليم والعلاج النفسي.
يُعد فن الكومكس نتيجة تطور طويل ومتعدد الأبعاد بدأ من الأشكال البصرية القديمة ووصل إلى مرحلة الكومكس المعاصرة التي تشمل مجموعة متنوعة من الأساليب والمواضيع. اليوم لا تقتصر الكومكس على مجرد الترفيه بل أصبحت أداة فعالة في التعبير الثقافي والاجتماعي بل وأداة علاجية أيضًا.
#أحمد معوض














