في عالم الفن التشكيلي المغربي، يبرز اسم محمد المليحي (1936-2020) كأحد أهم المبتكرين الذين نجحوا في صياغة لغة بصرية فريدة. لم يتبع المليحي النزعة التراثية أو الفلكلورية بل ابتكر أسلوباً تجريدياً خاصاً به، قام على هندسة بصرية دقيقة ممزوجة بحس شرقي عميق.
تلقى المليحي تكوينه الفني الأول في مدرسة الفنون الجميلة بتطوان (1953-1955)، لتبدأ بعدها رحلة تعليمية موسعة شملت أهم المعاهد الفنية العالمية. من إشبيلية حيث درس في المدرسة العليا للفنون الجميلة سانتا إيزابيل دي هنغاريا (1955) إلى مدريد في المدرسة العليا للفنون الجميلة سان فرناندو (1956) ثم روما حيث التحق بأكاديمية الفنون الجميلة (1957-1960) ومعهد استاتالي للفن (1960) أكمل مسيرته التعليمية في باريس بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة (1960-1961) قبل أن يحصل على منحة مؤسسة روكفلير للدراسة في جامعة كولومبيا (1962-1964).
عند عودته إلى المغرب عام 1964، انضم المليحي إلى هيئة التدريس في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء (1964-1969) حيث شكل مع فريد بلكاهية ومحمد شيبا "جماعة الدار البيضاء". تميزت المجموعة بمنهجيتها العلمية في غرس الحداثة في الثقافة البصرية المحلية، كما ظهر في معرضهم المهم "الفن الواضح" (1969) الذي أقيم في ساحة جامع الفناء بمراكش.
لم تقتصر إسهامات المليحي على الفن التشكيلي بل امتدت إلى مجالات متعددة. فقد صمم الغلاف الأيقوني لمجلة "أنفاس" الثقافية (1966-1969)، وأسس المجلة الثقافية "إنتجرال" (1972-1977)، وشارك في تأسيس دار نشر "شوف" (1974). كما أسس مع محمد بن عيسى جمعية المحيط الثقافية وموسم أصيلة الثقافي (1978)، الذي ما زال يقام حتى اليوم. شغل أيضاً مناصب رسمية مهمة كمدير عام في وزارة الثقافة (1985-1992) ومستشار ثقافي لوزارة الخارجية (1999-2000).
تميز أسلوب المليحي الفني بموجات تجريدية متكررة، تطورت عبر مسيرته الطويلة. هذه الموجات التي قارنها البعض بأمواج مسقط رأسه أصيلة، أو بإيماءات الخط العربي، ظلت الملمح الأساسي في أعماله التشكيلية والنحتية والجدارية. شارك المليحي في عشرات المعارض الدولية المهمة، من بينالي الإسكندرية (1958) وبينالي باريس للشباب (1959، 1961)، إلى مهرجان داكار (1966) وبينالي الشارقة.
رحيل صاحب الموجات الخالدة:
غادرنا المليحي في أكتوبر 2020 بسبب كورونا لكن إرثه الفني ظل خالداً. ترك وراءه أعمالاً تشهد على رؤيته الثاقبة وقدرته الفذة على المزج بين التراث والحداثة، بين الشرق والغرب، بين التقنية والإبداع. لقد نجح في خلق مدرسة فنية خاصة به، أثْرت المشهد الثقافي المغربي والعربي، وستظل أعماله مصدر إلهام للأجيال القادمة.





















