سيكولوجية النار

سيكولوجية النار: قاستون باشلار وسحر الحلم الملتهب

في تاريخ الفلسفة الحديثة، ثمّة أسماء عبرت حدود التخصص الأكاديمي لتضيء مناطق لم تطأها مناهج الفكر الصارمة. ومن هؤلاء قاستون باشلار (1884–1962)، الفيلسوف الفرنسي الذي آمن بأن الخيال ليس هامشًا على العقل، بل هو قلب التجربة الإنسانية. وإذا كان ديكارت قد قدّس العقل كأداة يقين، فإن باشلار أعاد الاعتبار للصور، للأحلام، وللشعلة الصغيرة التي تسكن وعي الإنسان منذ فجر التاريخ.

أول كتبه الكبرى، "سيكولوجية النار" (La Psychanalyse du feu) الصادر عام 1938، كان بمثابة إعلان عن مشروع فلسفي وشعري غير مسبوق: قراءة العناصر الأولية الأربعة للحياة النار والماء والهواء والأرض بوصفها كائنات رمزية حيّة تتغلغل في الأساطير، وفي اللاوعي الجمعي، وفي الأدب، وفي التجربة اليومية.

النار: الحلم الأول للإنسان

لا يكاد عنصر آخر يضاهي النار في شدّ الإنسان إلى التأمل. فمنذ لحظة ارتجاف العين أمام شعلة متقدة، بدأت أساطير الكون تتكوّن: النار هي الدفء والحياة، وهي أيضًا الدمار والجحيم. إنها التناقض نفسه. وهنا يكتب باشلار: "النار لا تُعطى أبدًا دون عقاب، فهي موهبة خطرة، إنها الوعد بالفناء مختبئًا في قلب النور."

باشلار لا يدرس النار كفيزيائي يراقب تفاعل الاحتراق، بل كـ"نفسي للشعلة"، إذ يرى أن مراقبة الطفل للشمعة ليست مجرد تجربة علمية بريئة، بل بداية انجذاب إلى رمزٍ مثير، حيث يتعلم أن الضوء يستهلك نفسه كي يضيء، وأن الحياة ليست سوى احتراق جميل. حيث تمر النار بمراحل النشوء والطفولة، ثم تكبر لمرحلة المراهقة واليفوعة وتستمر في شعلة شبابها ولهب النضوج حتى تهن وتدخل مرحلة الضعف والشيخوخة ثم تنطفئ وتفنى كما يفرّق بين النار العذبة والمُعذِّبة

بين العلم والتحليل النفسي:

في زمنٍ كان العلم يحتكر تفسير الظواهر، جرؤ باشلار على أن يزاوج بين التحليل النفسي الفرويدي والظاهراتية الهوسرلية والشعر. فالنار عنده لا تُفهم بمعادلات فيزيائية فقط، بل بما تختزنه من خيالات مكبوتة ورغبات ملتهبة.

فهو يرى النار رمزًا للشغف الجنسي، وللغواية التي تدمّر، مثلما هي رمز للمعرفة المحرّمة. في أسطورة بروميثيوس، حين سرق النار من الآلهة ليمنحها للبشر، كان سرّ النار هو سرّ التمرّد ذاته. ولهذا يكتب:

"من يحلم بالنار يحلم في الوقت ذاته بالجرح الأول، وبالمعرفة التي لا يحق للإنسان امتلاكها".

باشلار: سيرة شاعرٍ متخفٍ في زيّ فيلسوف

وُلد قاستون باشلار عام 1884 في مدينة بار-سور-أوب الصغيرة شمال فرنسا، في أسرة متواضعة. عمل موظفًا في البريد، ثم التحق بالجامعة متأخرًا، ليتحوّل إلى أحد أعمدة الفكر الفرنسي في القرن العشرين. درّس الفلسفة في السوربون، وترك مؤلفات لا تزال تُقرأ بشغف:

التحليل النفسي للنار (1938)

الماء والأحلام (1942)

هواء وأحلام (1943)

الأرض وأحلام الإرادة (1948)

جماليات المكان (1958)

مشروعه الفكري يمكن وصفه بـ"أنطولوجيا الخيال". لقد أراد أن يبرهن أن الشعر ليس مجرّد لغة، بل طريقة للوجود، وأن صور الماء والهواء والنار والأرض ليست محض استعارات، بل "حيوات رمزية" تشكّل صلب تجربتنا في العالم.

"سيكولوجية النار": نص يحترق بالصور

الكتاب لا يقدّم دراسة خطية أو منهجية بالمعنى التقليدي، بل يقدّم سلسلة من الأحلام النقدية. كل فصل يشبه مرآة: النار كموضوع للرغبة، النار كرمز للموت، النار كصورة للحب المحترق. ومن أجمل مقاطعه: "النار التي تتوهج في الموقد ليست سوى صورة لرغبةٍ تتغذى من نفسها. إنها لا تريد أن تُطفأ، كما لا يريد القلب أن يتوقف عن الخفقان."

بهذا الأسلوب، يحرّك باشلار لغة الكتابة الفلسفية من صرامة البرهان إلى رهافة الشعر، ليخلق نصًا تتجاور فيه المعرفة بالأسطورة، والعلم بالشغف، والفكر بالخيال.

أثره الثقافي:

لم يكن "سيكولوجية النار" مجرد كتاب عن عنصرٍ طبيعي، بل حدثًا ثقافيًا. لقد فتح بابًا جديدًا للنقد الأدبي وللدراسات الرمزية، وأثر في شعراء مثل بول إيلوار ورينيه شار، كما ألهم فلاسفة النقد الظاهراتي والنفسي.

لقد أعاد باشلار الاعتبار إلى ما كان يُعتبر "هامشًا" في الدراسات العقلانية: الحلم، الصورة، الرمز. ومن هنا فإن مكانته في الثقافة الحديثة تشبه مكانة الشاعر الذي لم يتوقف عن الحلم، حتى وهو يرتدي عباءة الفيلسوف.

خاتمة: النار التي لا تنطفئ

في نهاية المطاف، "سيكولوجية النار" ليس كتابًا عن النار بقدر ما هو كتاب عن الإنسان في مواجهة نفسه. عن تلك الشعلة الداخلية التي تجمع بين الأمل والخوف، بين الرغبة والموت، بين الحب والفناء.

يكتب باشلار في جملة تختصر مشروعه كله: "النار صورة للحياة، لكنها أيضًا استعارة الموت؛ إنها الازدواجية الكبرى التي تسكن كل حلم بشري."

وهكذا، يبقى هذا الكتاب، بعد أكثر من ثمانين عامًا على صدوره، نصًا ملتهبًا، يذكّرنا أن الثقافة ليست مجرد معرفة، بل شرارة حلم تتقد في أعماق الروح.

# لقراءة الكتاب على مكتبة شغف

photo_5260421291138219130_x
August 16, 2025
photo_5260421291138219125_y
August 16, 2025
photo_5260421291138219124_y
August 16, 2025
photo_5260421291138219128_y
August 16, 2025
photo_5260421291138219127_y
August 16, 2025
photo_5260421291138219126_y
August 16, 2025
error: Content is protected !!