من الفجر حتى الليل

لوحة "من الفجر حتى الليل" للفنان البريطاني أوغسطس إدوين مولريدي (1863-1899) تجسّد مشهدًا عاطفيًا لفتاة صغيرة وحيدة جالسة على مقعد حجري في جنح الليل. تبرز اللوحة بأسلوبها الواقعي والمؤثر، والذي كان سمة مميزة للعديد من الفنانين الفيكتوريين الذين تناولوا موضوعات اجتماعية وإنسانية. في هذه اللوحة، تظهر الفتاة وقد غلبها الإرهاق، أو ربما الحزن، ويدل على ذلك وضعية جسدها المنهكة ونظرتها المرتخية. ترتدي ملابس بسيطة، غالبًا ما كانت ترتديها الطبقات العاملة في تلك الفترة، توجد سلة تحتوي على زهور بنفسجية، وبعض الزهور المتناثرة على الأرض، مما يشير إلى أنها كانت تبيع هذه الزهور طوال اليوم، ومن هنا يأتي عنوان اللوحة "من الفجر حتى الليل"، والذي يوحي بيوم طويل من العمل الشاق و الانتظار. أوغسطس إدوين جون وُلد في ويلز عام 1878 وكان منذ شبابه فنانًا لا يشبه أحدًا عاش بين الناس وتجاوزهم رسمهم وأحبهم ثم ابتعد عنهم عاش فوضويًا ومتمردًا على القواعد الأكاديمية لكنه امتلك حسًا بصريًا نادرًا جعل كل وجه يرسمه يبدو كأنه يتنفس كانت الحياة عنده فنًا والفن وسيلة ليعيش الحياة كما يريد لا كما يُطلب منه كان شغوفًا بالبورتريه لكنه لم يكن يسعى لتجميل وجوه الناس بل لكشف أعماقهم وأسرارهم في ملامحهم في لحظة سكوتهم أو في تحديقهم الطويل نحونا رسم زوجته وعشيقاته وأولاده والأشخاص الغجر الذين عاش معهم فترات طويلة لم يكن يرسم طبقة معينة بل رسم الإنسان في هشاشته في كبريائه في غرابته كان يلتقط الجوهر دون زينة استخدم الألوان بشجاعة والخطوط بثقة وكأنها لغة خاصة به وحده نقده الفني يضعه بين أكبر رسامي البورتريه في بريطانيا لكنه أيضًا يُنتقد أحيانًا بتكرار ثيماته وضعفه في ضبط الخلفيات لكنه كان يعلم ذلك ولم يكن يهمه أراد أن يكون صادقًا لا كاملاً أعماله ليست صامتة بل تتكلم بصوت داخلي خافت كما لو أنها تهمس للمتفرج عن الحياة التي مرّت بها والوجوه التي فقدت أسماءها لكنها ما زالت حيّة على القماش لقد عاش فنانًا بطريقته ومات محاطًا بالجدل لكنه ترك خلفه لوحات تحمل شيئًا من نبضه ومن روحه التي لم تُروّض

error: Content is protected !!