في عالم التشكيل في فنون الرسم والتصوير، كثيراً ما تنجذب العيون مباشرةً إلى اللوحة، تكويتها وألوانها، وموضوعها، بينما يبقى الإطار في الظل، كأنه مجرد “خلفية” جمالية لا تستحق الاهتمام. لكن الحقيقة التي يطرحها كتاب The Right Frame للمؤلف Henry Heydenryk Jr. أن الإطار "البرواز" ليس مجرد حافة خشبية مزخرفة، بل هو فن قائم بذاته، قادر على أن يرفع من قيمة العمل أو يجرّه إلى العادية، وأن يمنحه حضوراً لافتاً أو يخنق جماله.
صدر الكتاب عام 1964، في فترة كان فيها سوق الفن العالمي يشهد موجة تجديد في أساليب العرض والتأطير، وكان هايدنريك—حفيد عائلة عريقة في صناعة الإطارات منذ عام 1845 في أمستردام—واحداً من أبرز، بلد الفن والأصوات الخبيرة في هذا المجال. عمله مع متاحف عالمية وفنانين كبار منحه منظوراً فريداً يجمع بين حس الفنان ودقة الصانع، وهو ما ينعكس في كل صفحة من هذا الكتاب.
الإطار كجزء من “النص البصري” للعمل الفني:
يبدأ هايدنريك كتابه بمناقشة أساسية: اللوحة ليست مكتملة حتى تجد “الإطار الصحيح” الذي يحتضنها، كالعروسة الجميلة التي تظهر بفستان زفاف رائع. الإطار ليس إضافة لاحقة، بل هو جزء من التجربة البصرية، تماماً كما أن الغلاف جزء من تجربة الكتاب أو المسرح جزء من عرض الأوبرا.
يتتبع المؤلف في فصوله الأولى تاريخ الإطار عبر العصور، من الإطارات الباروكية الثقيلة المزخرفة، إلى الإطارات الكلاسيكية البسيطة، وصولاً إلى التصاميم الحديثة، موضحاً كيف أن كل حقبة فنية طوّرت أسلوباً في التأطير يعكس روحها الثقافية. ويؤكد أن فهم هذا التاريخ يمنح الفنان وجامع الأعمال القدرة على اختيار الإطار الذي يحترم هوية العمل بدلاً من تشويهها.
الطرق الصحيحة والخاطئة في التأطير:
الكتاب، كما يوحي عنوانه، ليس مجرد عرض تاريخي، بل هو دليل عملي يفرّق بين ما هو ملائم وما هو مفسد في التأطير. يستخدم هايدنريك صوراً مقارنة—لوحة مؤطَّرة بطريقة مناسبة وأخرى بإطار غير موفق ليُظهر كيف يمكن أن تغيّر بضعة سنتيمترات من الخشب انطباع المشاهد بشكل كامل.
من أبرز القواعد التي يضعها:
1. الإطار يخدم العمل، لا العكس—لا ينبغي أن يسرق الإطار الانتباه من اللوحة.
2. التناغم مع الألوان والضوء—يجب أن يتناغم لون الإطار مع لوحة الألوان في العمل، لا أن يتصادم معها.
3. احترام السياق التاريخي—لوحة من عصر النهضة تحتاج إطاراً يليق بروح تلك الحقبة، لا إطاراً معدنيّاً حداثيّاً.
4. التناسب الهندسي—عرض الإطار وزخرفته يجب أن يتناسبا مع أبعاد العمل وكثافة تفاصيله.
البعد النفسي والجمالي لاختيار الإطار:
يمنح هايدنريك مساحة خاصة لشرح البعد النفسي في التأطير. فالإطار قد يجعل المشاهد يشعر بالحميمية أو بالعظمة، بالدفء أو بالبرود. بل إن اختيار الإطار أحياناً يكون قراراً تسويقياً إذا كانت اللوحة معروضة للبيع؛ إذ يمكن لإطار مدروس أن يعزز قيمتها السوقية ويجعلها أكثر جذباً للمقتنين.
التأطير في المتاحف مقابل المنازل:
يخصص المؤلف فصلاً كاملاً للفارق بين تأطير الأعمال في المتاحف والمعارض وتأطيرها للاقتناء الشخصي. ففي المتاحف، الهدف هو حماية العمل وإظهاره في سياق تاريخي، بينما في المنازل، يراعي الإطار انسجامه مع الديكور العام للمكان وألوان الجدران والإضاءة. هذا التمييز الدقيق يعكس خبرة المؤلف في العمل مع فنانين معاصرين وجامعي أعمال كلاسيكية على حد سواء.
وصايا هايدنريك الذهبية للتأطير:
من بين الإضافات العملية التي جعلت الكتاب مرجعاً لعقود، ما يسميه المؤلف "الوصايا العشر للإطار المثالي"، وهي خلاصة خبرته الممتدة، وتشمل التالي:
لا تفرض إطاراً موضة على عمل فني خالد.
لا تكرر نفس نوع الإطار لكل الأعمال.
تجنب الإطارات المفرطة الزخرفة للأعمال ذات الأسلوب البسيط.
جرّب أكثر من خيار قبل اتخاذ القرار النهائي.
أثر الكتاب على عالم التأطير والفن:
منذ صدوره، أصبح The Right Frame كتاباً مرجعياً في مدارس الفنون، وفي ورش صناعة الإطارات، وحتى في دور المزادات الكبرى. أعيدت طباعته لاحقاً بعنوان The Essential Guide to Framing، ليظل محتفظاً بجوهره مع تحديث الصور والأمثلة.
إن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في نصائحه، بل في فلسفته العميقة: أن الفن لا يكتمل إلا حين يجد الحاضنة البصرية التي تحميه وتُبرزه.
ختاماً: في زمن يطغى فيه التركيز على اللوحات نفسها وإهمال البرواز وانتشار الإطارات البلاستِيك الفوم الهشة، يعيد لنا كتاب The Right Frame التذكير بأن الإطار هو “الرفيق الصامت” للعمل الفني، لكنه الرفيق الذي قد يقرر مصيره في أعين الجمهور. ومن يقرأ هذا الكتاب، لن ينظر إلى أي لوحة مؤطَّرة بالطريقة نفسها بعد اليوم.
رابط الكتاب على أمازون اضغط هنا




